اشباح المخابرات
المحتويات
بحاول أعوض فقداني ليها ولأكلها بيك!
وأضاف بحنق مضحك
_مشوفتش أمي بقالي سنة ونص إيه برودة المشاعر اللي بقت عندك دي يا جارحي!
وتابع وهو يشير على الثلاجة الضخمة المجاورة له
_خدلك لفة كده يمكن تلاقي جلاش أو رقاق تعملهولي باللحمة تبقى قدمتلي حضن دافي وعميق من الست الوالدة.
اقترب منه ياسين بغضب، وطرق الرخام بقوة أفزعت زين حتى كاد بالسقوط عن المقعد
_هسيب المهمة باللي فيها وهبقى طباخ جنابك أنا، إنت صاحي تهرج على الصبح ولا إيه!!
سحب الحاسوب إليه بعدما شمله بنفور
_خلاص مش عايز حاجة، نفسي اتسدت!
ضم ياسين شفتيه بضيق، فعاد يستكمل صنع كوب القهوة، وفجأة سحب المقلاة وشرع بصنع البيض مثلما طلب والآخر يراقبه بطرف عينيه بابتسامة ماكرة، وكأنه يعلم بأنه لن يهون على رفيقه.
عاد ياسين يضع من أمامه فنجان القهوة، والمقلاة ومد له طبق الخبز، طرق زين بيديه وشرع بتناول طعامه وهو يهتف بسعادة
_هو ده الكلام، كده نشتغل بضمير.
أغلق عينيه بتلذذ مع أول لقمة تناولها وهو يغني باشادة
_الله عليك يا حبيب والديك.
تبسم رغما عنه، وعاد إلى مقعده يرتشف الكوب بينما تحوم عينيه إلى باب غرفتها العلوي، متسائلًا
_وصلت لحاجة من مراقبتك ليه؟
أجابه زين وهو يتناول طعامه
_لا، بس حاسس إن الشخص ده وراه كوارث، وزي ما أنت عارف أنا مستني أي مدخل ليه.
هز ياسين رأسه بتفهمٍ، فتساءل زين هو الآخر
_وإنت وصلت لحاجة؟
أجابه ومازال بصره يراقب الطابق العلوي
_اتاكدنا إن العاملات مالهمش علاقة بأعمالهم المشبوهة دي، لذا مرين هتتحرك على طول.
توقف عن مضغ الطعام، وقال بجدية تامة
_بالسرعة دي؟
تطلع له ياسين، وقال
_مفيش وقت يا زين، كل ما اتحركنا بسرعة يكون أفضل لينا.
وأضاف وهو يسحب شيئًا من جيب سترة الترينج الرياضي الذي يرتديه
_إنت عارف إنك لازم تعمل ده قبل ما هي تطلع من هنا.
راقب ما يقربه منه، وعاد يستكمل طعامه قائلًا
_إنسى يا حبيبي، أنا مزاجي رايق النهاردة ومش هعكره مع مروان اشطا، أنا بتنازلك عن المهمة دي بصدر رحب.
تابعه بدهشة لسرعة انسحابه، وقال مستنكرًا فعلته
_بس إنت ايدك أخف مني بكتير.
نصب كتفيه بغرورٍ وهو يقول
_طبعًا مش أستاذ الحركة دي يبقى أبويا، لازم ايدي تبقى أخف وأسرع.
سدد له نظرة قاتلة، فتنهد زين وقال وهو يبعد المقلاة عنه
_عشان أعمل كده لازم أقف أرغي معاها، وهي مش بتديني فرصة لده أصلًا، إنت الوحيد اللي بتنجح تستفزها بكلامك فبتقف تحاربك وتجاريك بالردود المستفزة بتاعتك وبتاعتها، إنت اللي هتقدر تعمل كده.
وسحب فنجان قهوته يرتشفه بتلذذٍ وهو يشير للدرج
_استعن بالله وتوكل عليه.
زم ياسين شفتيه وهو يعود ليرفع بصره نحو الاعلى، فاذا به يسحب ما تبقى بالكوب رشفة واحدة، ثم تركه على الرخامة بقوة، ونهض يتجه للاعلى، وزين يتابعه بضحكة ساخرة، وتمتم
_عندك حق، دي عايزة قوة خارقة عشان تقنعها باللي هتعمله، ربنا معاك!!
صعد ياسين الدرج للاعلى، وقبل أن يطرق بابها، وجدها تفتح الباب وتندفع للخارج، تفاجأت مرين به، زوت حاجبيها باستغراب، بينما هو يتطلع لها مشدوهًا.
كانت ترتدي فستانا من اللون الاسود، يصل لبعد ركبتها، وترتدي حذاءا من البوت النسائي أخفى المتبقي من ساقيها تمامًا، ما لها تزداد فتنة كل يومٍ عما يسبقه!
تنحنح بخشونة، وقال مستحضرًا ثباته الهادر
_هتتحركي دلوقتي؟
هزت رأسها وهي ترتدي الحقيبة، فابتسم وسألها وهو يشير على ما ترتديه
_الفستان ده مُلَغَّم ولا نضيف؟
اتسعت ابتسامة لها رغمًا عنها، وقالت بخبث
_يعني كنت معاك وكان مُلَغَّم بكمية الاسلحة اللي خدتها مني، تفتكر وأنا رايحة أقابل هارون التميمي هيكون نضيف مثلًا؟
هز رأسه ضاحكًا، وحك منخاره
_كده اتطمنت عليكي!
عدلت الحقيبة، وما كادت بالتحرك للاسفل، حتى سحب السجادة من أسفل قداميها بمهارة وسرعة دون أن تنتبه لها، فكادت بالسقوط على الدرج، فاذا به يقبض على ذراعها وبالآخر دس بها القلم الذي يشبه الإبرة الطبية بها، ثم جذبها عن الدرج بسرعةٍ فائقة، جعلتها تطالعه بصدمة وعدم استيعاب لما فعله.
رفعت معصمها تتفحص موضع الألم الغامض الذي احتلها، وعينيها تتوزع بين يدها وإليه، مرددة بدهشةٍ
_إنت عملت إيه؟
رفع كفيه الفارغ مما كان يمسك به منذ قليلٍ، وببراءة قال
_ولا حاجة، كنتِ هتقعي فمسكتك!
دققت النظر بيدها مجددًا، وصاحت بغضبٍ بما شكت به
_عملت إيه يا ياسين؟!
ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه، وعاد يكرر ما قاله بالاسفل لها
_التهمة الخطيرة اللي في عيونك دي مينفعش تتأخد ضدي بدون دليل، هل معاكِ اثبات إني زرعتلك جهاز تعقب؟ طول مفيش دليل يبقى مفيش تهمة.
كزت أسنانها بغضب ساحق، فتحررت ابتسامته الماكرة، بينما يهبط للاسفل، لحقت به وانتزعت الحقيبة تقذفها إليه، فاستدار يتلقفها دون أن يرى ما كانت تنتوي فعله!!!
زفر زين بارهاق مما يحدث بينهما، وعاد يتمعن بحاسوبه وهو يرتشف القهوة غير عابئٍ بهما، بينما تصرخ الاخيرة بجنون
_إنت مالكش الحق إنك تعمل معايا كده بدون إذني! وبعدين بأي حق تحطلي جهاز تعقب!
جلس على مقعده وهو يقول ببرود
_بحق إن والدك سلمك عهدة في رقبتي، فيأكون أد المسؤولية دي من أولها يا اعتذر ليه وأقوله آسف أنا مش قدها.
وأضاف بصرامة قاطعه
_عمومًا احنا فيها، لو عايزاني أوقفه هعملها حالًا بس وقتها هيكون معاكِ أمر مباشر مني بالانسحاب الفوري، ليكِ حرية الاختيار.
اشتعلت عاصفتها القاتلة وهي تتطلع له، بينما يتجاهلها قدر المُستطاع، فرمقت ابن عمها بنظرة غاضبة وقالت
_زين إنت ساكت ليه؟
تنهد زين بضيق من غضبها الغير مُبرر، وقال
_ساكت عشان اللي هقوله هيزعلك، أنا عايز أفهم إنتِ كل حاجة دايمًا معترضة عليها كده!!
وأضاف وهو يستدير بجسده إليها
_ما أنا عملت نفس الشيء مع قدس، وزرعت نفس الجهاز ليها، معترضتش ليه؟! سيادتك إنتِ خارجه من هنا وداخله وكر الشياطين برجليكِ وهتفضلي فيه لفترة طويلة، فلو لقدر الله حصلك حاجة المفروض نعمل إيه؟؟
صرخت أمامه بغضب يفوق غضبه
_على الأقل يقولي وآ..
قاطعها زين بانفعال
_وكنتِ هتوافقي يعني، إنت اتخلقتي عشان تعاندي وترفضي كل شيء في الدنيا، يا ريت تسيبك من لعب العيال ده وتقدري حجم الخطر اللي احنا داخلين عليه.
وقبل أن تجادله، صاح بنفاذ صبر
_ أنا معدنيش خلق لمشاكلك وجنانك ده سامعة!!
أمسك ياسين يده يدفعه بخفة، وهو يهتف بضيق من صياحه المفاجئ
_مالك في إيه؟ أعصابك فلتت منك على الصبح، هدي شوية الحوار مش مستاهل!
استدار يتطلع له باسترابة وفاه
_دي حد يشوفها وأعصابه متفلتش!
واستكمل وهو يسحب حاسوبه
_أنا داخل أكمل شغلي جوه أفضل ليا وليها.
وتركهما وأنسحب، بينما تراقبه مرين وهو يتخفى من أمامها والضيق والانزعاج يحتل وجهها، فاذا بالآخر يقول
_ها اختارتي إيه؟
استدارت إليه بغيظٍ وهمست بحقد
_على الاساس إنك مديني حرية الاختيار!
وتركته واتجهت تستعد للرحيل، فرنا خلفها يناديها
_مرين.
وقفت محلها ومازالت بشرتها تلتهب من شعلة غضبها، لحق بها حتى وقف قبالتها، وقال بقلق شعرت به
_خدي بالك من نفسك، الكلب ده مش سهل.
لانت تعابيرها رغمًا عنها، يكفيها أنه منع عنها غضب زين ولم يقبل بأن يزعجها أكثر من ذلك، فاذا بها تقول في رقةٍ
_متقلقش أنا عارفه هتعامل إزاي.
هز رأسه ودعمها بقوله
_واثق فيكِ وعارف إنك قدها.
اندهشت من جملته، فسحبت ارتباكها وتوترها وغادرت من أمامه، بينما ظل هو محله يراقبها وهو يعلم بأن القلق والخوف سيكونان مصيره حتى ينتهون من تلك المهمة.
كادت أن تسقط أرضًا من هول ما رأت، تحمل بين يديها هلاكها، لا تصدق أن و بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذتها منذ زواجها منه إلا إنها وبالنهاية حملت منه!
تحركت بصعوبة إلى الخارج، وعينيها مُسلطة على اختبار الحمل المنزلي الذي تحمله بين يديها، حتى وصلت لحافة فراشها، فألقت بثقل جسدها من فوقه، لدرجة رُج جسدها من شدة سقوطها.
دموعها تتهاوى دون توقف، بينما تكبت بيدها صرخات تنازع أن تتحرر من داخلها، ورأسها يهتز بعنف رافضة هذا المصير المأساوي، حدوث ذلك رغم اتخاذ كل الاحترازات جعل عقلها لا يستوعب ذلك، وإن كان زوجها بمثل هذا الجنون الشيطاني كيف سيكون جنينها!
حررت رحيق كفها بضعف، ومعه تتحرر صرخة تحررت بانكسارٍ، حتى ودت لو أنها تُلقي بذاتها من الشرفة لتتخلص مما تحمله ومن حياتها برمتها.
رفعت ساقيها عن أرضية الغرفة الباردة، وزحفت للخلف تضم ركبتيها، بينما تتساقط دموعها دون توقف، وإذ فجأة يُرسم من أمامها ذكرى أشد ألمًا مما هي به!
وصلت السيارة أمام محيط القصر في تمام السادسة مساءًا، هبطت منها رحيق تمنح السائق المال، وتتجه للداخل بخطواتٍ مرتبكة، ولكنها مُرغمة على ذلك، فلقد فاض الكيل بها وهي تحاول أن تعلم ما أصاب تيام فجأة، أصبح يهمل مكالماتها، وآخر مرة تحدث معها كان يبدو أن هناك أمرا ما يزعجه، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان يتحجج ويغلق الهاتف، ويمتنع عن لقائها.
وصلت للقصر الداخلي تقدم ساقًا وتؤخر الآخرى، حتى قابلتها الخادمة. فقالت ببسمة مرتبكة
_أتيت لرؤية تيام أين هو؟
تعجبت الخادمة من سؤالها، ولكنها أجابت
_لا أعلم سيدتي ولكني رأيته يحمل حقيبة سفر، يغادر بها مع السيدة تالا.
زوت حاجبيها بدهشةٍ
_إلى أين؟
كادت الخادمة أن تخبرها بعدم علمها بذلك، ولكن إشارةهارون جعلتها تنسحب دون أن تستكمل حديثها.
التفتت رحيق للخلف، لتبصر ما جعلها تصمت فجأة، فاذا بها ترى هارون أمامها، وهو يدعي استعداده للخروج، وقف يرحب بها ترحابا كان مصطنعًا بشكلٍ تفاجأت به
_إيه النور ده كله، رحيق هانم هنا بنفسها.
لطالما كانت ترتاب منه، تخشاه، نظراته المرعبة، وطريقته معها، ابتلعت رحيق ريقها بتوتر وقالت
_أنا كنت جاية أشوف تيام، وعرفت إنه لسه نازل من شوية، همشي وهبقى أكلمه.
واستدارت على الفور تتهيأ للرحيل، فأوقفها قائلًا
_أنا لسه مكلمه وقالي إنه على الطريق، ارتاحي خمس دقايق وهيكون وصل.
تطلعت صوبه وهي تتمسك بحقيبتها بارتباكٍ، لحق نبرتها المرتبكة
_عشان بس متأخرش، هبقى أكلمه أفضل.
أشار باصرارٍ ونظراته يخفيها وابل شيطاني
_مش هتتأخري ولا حاجة، وهو أكيد يعني هيوصلك بعربيته.
اضطرت أن ترضخ له، فاتجهت للاريكة الذهبية الفخمة، جلست عليها بتوتر، بينما يتجه هو للمقعد المقابل لها، يضع ساقًا فوق الأخرى، ونظراته لا تنحاز عنها.
كانت بأبهى جمالها، ترتدي تنورة سوداء واسعة، ومن فوقها كنزة من الصوف الأبيض، خصلاتها تنحدر من فوقها كالشلال، وعينيها الخضراء وُضع فيها جمال الطبيعة.
فركت أصابعها بارتباكٍ، ومُقلتيها لا تفارقان باب القصر المفتوح على مصرعيه، وكلما رأته يتطلع لها بصمت مطول ازدادت خفقات قلبها قلقًا، شيءٌ ما بداخلها يطالبها بالفرار من هنا.
نصبت قامتها المتوازنة، وقالت بتلعثم
_أنا همشي أحسن، واحدة من العاملات قالتلي إنها شافته نازل بشنطة سفر مع تالا، يمكن نقل في الشقة اللي أخدها جنب المطعم.
وقف قبالتها وقال ينفي
_لا طبعًا تيام عمره ما يسيب القصر، هو نزل يوصل تالا المطار وراجع.
زوت حاجبيها باستغراب
_المطار!!
توسعت عينيه بشكل تعمد به أن يثير فضولها
_إي ده هو إنتِ متعرفيش ولا إيه؟
نجح أن يجعلها تُلقي خوفها، قلقها، ارتباكها منه، لشيءٍ أبعد من ذلك، فاقتربت منه بخطوة مترددة
_أعرف إيه؟!!
ضم شفتيه بخبثٍ
_الظاهر إن تيام كان مخبي عليكِ.
مس وترا حساسا بينهما، بالفعل كانت تشك أنه يُخفي أمرًا ما، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان ينسحب، رنت إليه تسأله بلهفة
_مخبي عليا إيه؟ من فضلك إتكلم!
عاد يحتل مقعده بجلسته العنجهية، وهو يضع ساقه فوق الأخرى
_آسف مش هقدر، طالما تيام أخفى عليكِ الأمر مقدرش أصرحلك أنا بيه، بس اللي أقدر أقولهولك إنه بيمر بظرف صعب ومحتاجلك جنبه.
كاد عقلها أن ينسلخ من رأسها، فترجته بتوسل
_أنا مش فاهمه حاجة، بس حاسة فعلًا إنه مش بخير، من فضلك يا هارون صارحني وأنا أوعدك إني هتفهم اللي هتقوله مهما كان.
رفع سوداوية عينيه لها وهو يدعي براءته، وأشار للخادمة التي تقترب منهما
_طيب اهدي اهدي، هحكيلك، بس الاول اشربي العصير ده عشان تقدري تسمعيني وإنتي هادية.
تغاضت عما تقدمه لها الخادمة، وفاهت
_مش عايزة، أنا هادية صدقني، قولي بس!
أصر بإشارته للكوب
_مش هتكلم إلا لما تشربي وتهدي.
اضطرت على مضضٍ أن ترتشف بضعة قطرات من الكوب، ثم أعادته على الصينية التي حملتها الخادمة وتطلعت صوب هارون بخوفٍ من أن تكون الكمية التي تناولتها قليلة، فمنحها ابتسامة نبعت بنجاح ما أراد، وما أراد سوى الشر!
ثقل رأسها بشدة، وفجأة مالت على الأريكة، وأغلقت عينيها مستسلمة لدوار حاد أطاح بها في لحظةٍ.
ظهر الوجه الحقيقي للشيطان الذي يتنكر في شكل إنسان، مال يحملها ويصعد بها للأعلى، تاركًا حقيبتها على الأريكة، يعلو بداخلها رنين هاتفها برقم تيام، يحاول الوصول لها بعد أن رأى عدد المكالمات الصادرة منها إليه، ليته عاد عساه أن يتمكن من انقاذ حبٍ كاد أن يفديه بروحه مرارًا.
وضعها هارون على الفراش، ومن ثم إتجه للثلاجة الصغيرة الخاصة بجناحه، جذب منها إبرة رغم أنها باهظة الثمن إلا أنها رخيصة لتضيع شرف نساء عِشن يحافظن على أنفسهن، ومصيرهن أسوء من الموت، حينما تصرخ كلًا منهن بأنها لا تفعل تلك الافعال المنحطة، وما يشهده عقلها يؤكد لها أنها بالفعل فعلت، كأنها أصبحت امرأة أخرى غير التي تربت عليه!!
رنا إليها بنظراته الحقيرة، يبعد خصلاتها عن وجهها وهو يهتف ببسمة قذرة
_جيتيلي برجليكِ، أنا لسه محذره من شوية قبل ما يسيب القصر، والظاهر إتهاون
بكلامي وفكرني بخوفه وبس.
وضحك بصوتٍ مقزز بينما، يتفرس الإبرة الطبية التي يحملها
_أبقى غبي لو خدت اللي أنا عايزه وإنتِ بالحالة دي، لا أنا هوريكِ السحر اللي صنعه حبيب قلبك،
لازم تشوفي نتايجه المبهرة نظري وعملي!
ومال يدس بوريدها الإبرة وهو يهمس بدناءة
_هيأخد وقت لما يشتغل، تكوني فوقتي من المنوم ومفعوله يكون بدأ وده المطلوب!!
إنتهى من فعلته وإتجه يقف بعيدًا عن الفراش، بعدما استدعى الخادمة المُتواطئة معه بفعلتها الوضيعة.
بدأت رحيق باستعادة وعيها تدريجيًا، ويدها تضم جبينها بتعبٍ، فمالت تجلس على الفراش وهي تتأوه بألمٍ، وفجأة انتفضت وهي توزع نظراتها بينهما
_هو... هو إيه اللي حصل؟
أسرعت الخادمة تقول
_لا شيء سيدتي فقدتي وعيك، وحملك السيد هارون إلى هنا لحين وصول الطبيب.
ارتبكت رحيق وشعرت بعدم راحتها لوجودها هنا، فقالت وهي تحاول تخطيهما
_أنا عايزة أمشي.
أمسك بها هارون حينما كادت أن تسقط أرضًا، وقال بطيبة مخادعة
_هتمشي إزاي وإنتِ حالتك كده يا رحيق، ارتاحي الدكتور على الطريق.
وأشار للخادمة بنظرة خبيثة
_إذهبي وهاتفيه مجددًا.
أومأت الخادمة برأسها، وغادرت تسحب باب الغرفة، مما دفع رحيق أن تصيح برعب
_سبني أنا عايزة أمشي!
ولكن قدميها كانت ثقيلة بشكلٍ جعلها تستند على ذراعه بشكلٍ كلي، فسندها حتى وضعها على الاريكة، وقال بحزن مصطنع
_أنتِ شكلك تعبانه، استريحي الدكتور زمانه على وصول.
فشلت بالنهوض عن محلها، لقد نصب لها الشباك ووقعت مقيدة به، اجتاحتها حرارة شديدة، ودقات قلبها توثب أن توقفه، شيء غامض يحدث معها.
ابتسم ذلك اللعين الذي يراقبها بامعانٍ، وحينما تيقن من سريان مفعول العقار، عاد يحمل زجاجة المياه الباردة، جلس جوارها يقدم لها المياه، وهو يدعي أنه يساعدها.
نجح أن يجعلها هي من تقدم على أول خطوة بينهما، وقد تصنع معارضتها ولكنه بالنهاية حقق مبتغاه القذر!
ثلاثون دقيقة كانت أسوأ تحول قلب حياتها رأسًا على عقب، سحبها من ضياء الضوء لعتمة الظلام، فتحت عينيها بتعبٍ شديد، وهي تحاول أن تتذكر ما حدث معها، وقد بدأت الرؤيا تتضح لها مرة أخرى، لتسقط من فوق رأسها غيمة أدمت حياتها بالكامل، وخاصة حينما رأت الوضع الذي هي فيه، ومن بات جوارها!.
حاولت أن تستحضر صوتها الهادر مرارًا، وهي تتطلع لمن يجاورها، يرتشف كأسه ببرود كأن شيئًا لم يكن!
جاهدت مجددًا حتى نطقت بصوتٍ هادر
_إنت عملت إيه؟!!!!!
لف صوبها بصدره المكشوف، وقال وهو يتجرع كأسه
_أنا!! ولا حاجة، أنا نفذت اللي طلبتيه!
برقت بعينيها بصدمة، وهزت رأسها بجنون وهي تسحب غطاءها لتستر به ذاتها
_لا... لا.. إنت حيوان... أنا هوديك في داهية يا كلب.
لم تتأثر ملامحه، بل استمر بتناول مشروبه وهو يقول ببرود
_ولا تقدري تعملي حاجة، لإن ببساطة اللي حصل بمزاجك.
لكمته بعنف وعصبية جعلتها تصرخ
_اخرس، اخرس يا حقير أنا أشرف من إنك تتهمني اتهام قذر زي ده، تيام مش هيسيبك، هيقتلك!
ضيق عينيه بسخرية
_يقتلني أنا!!
واعتدل بجلسته وهو يسحب الحاسوب من جواره
_طيب يا أم الشرف طالما عايشة الدور، أفوقك منه قبل ما تصدقيه.
وفتح الحاسوب، بينما تطالعه هي بدهشة، وهو يشير لها
_الجناح كله مليان كاميرات.
ومرر لها الحاسوب قائلًا ببسمة انتصار
_بصي بنفسك واتأكدي تيام هيقتل مين فينا.
كل ما تعرضت له لا يساوي ما رأته بعينيها، لا تصدق أنها قد أضاعت أخلاقها لتلك الدرجة الوضيعة، هزت رأسها وهي تتراجع للخلف، وتشير صارخه
_لا... لا... أنا مستحيل أعمل كده، لا كدب كدب.
ضحك وقال باستهزاء
_أكيد يعني ملحقتش أبرمج ولا أحذف حاجة، ثم إن اللي حصل حاضر كله في ذهنك وفاكراه.
ومال يطالعها بنظرة قوية واثقة
_مش إنتِ بردو فاكرة اللي حصل يا رحيق؟
توالت لها ذكرى ما حدث بالكامل، ليؤكد صدق حديثه اللعين، تهاوت على الفراش تصرخ وهي ترطم وجهها بجنون أدمى ملامحها الرقيقة، بينما يستكمل هو ارتشاف الخمر والسيجار ببرود
تركها تخرج ما فيها من بكاء استمر لوقتٍ طويل ولم تيأس، حتى قال بجمود
_خلصتي!
نهض عن الفراش يتجرع كأسه مرة واحدة، ويقول بفحيح شيطاني مهيب
_ودلوقتي مفيش قدامك أي حلول تانية غير اللي هتسمعيه مني!!
أفاقت من ذكراها اللعينة ودموعها تنهمر دون توقف، كبتت رحيق صرخاتها ومالت على الفراش تبكي وهي تهمس بخفوت
_يا ريتني كنت موت قبل ما يحصل كل ده!! يا رب ريحني من اللي أنا فيه!
وبينما هناك بداية لنبض جنين هناك انتزاعًا للآخر، وكلاهما كانا نطفة لشيطانٍ لعين، على أحد الأسرة التابع لاحدى المستشفيات السرية الخاضعة لعائلة التميمي، فتحت تلك الشقراء عينيها بتعبٍ شديد، والوجع يمزق أحشاءها بعد أن تم انتزاع جنينها ذو الثلاثة أشهر.
وضعت كفها تتلمس بطنها الذي بات فارغًا كالارض البور، ودموعها تنشق على وجنتها حزنًا، فاذا بدخان سيجارٍ يلفح جانب وجهها الأيسر، وصوته الساخر يصل لها
_هي أول مرة ولا إيه؟؟
شملته بنظرة غاضبة، فضحك هارون وقال وهو يضع ساقه فوق الأخرى
_فوقي كده يا صوفي ورانا شغل كتير.
احتقنت أودجتها، وصاحت بتقزز منه
_إنت معندكش دم، اللي مات ده ابنك وإنت اللي أمرت بقتله، إزاي حتى مش حزين عليه!!
توالت ضحكاته المخيفة بشكلٍ أرعبها، وجعلها تود أن تسحب حديثها، وخاصة حينما نهض يدعس سيجاره بالمطفأة الجانبيه، ثم مال لفراشها، يتطلع لها باستحقارٍ، وفجأة قبض على خصلة رأسها الصفراء، يجذبها بقوة وعنف
_ابن مين يا ، يا بت ده أنا اللي بوقعك في طريق الشخصيات المهمة والسياسيين عشان تلقطيلهم معاكِ كذه فيلم نساومهم بعد كده بيه.
وأضاف وهو يشيعها بنظرة وضيعة
_تحبي أعدلك الافلام اللي عامل لهم إخراج بنفسي!
حاولت أن تحل عقدتها وهي تردد ببكاء
_صدقني ده ابنك يا هارون.
نالتها صفعة من يده وهو يصرخ بنفور
_اخرسي، حتى لو ابني تفتكري لما أعوز أخلف هخلف منك إنتِ يا.
بكت بانكسار بينما يتابع ببرود مريب وهو يرى الدماء تنسدل بجانب فمها
_أوف، شوفتي خلتيني أشوه وشك الجميل إزاي وإحنا محتاجينه في الشغل!
وربت على كتفها بقوة ألمتها
_فكك من حوارات المسلسلات التركي دي، وركزي في شغلنا يا صوفي، والا هتكوني كتبتي نهايتك بإيدك.
قالها ورحل من أمامها، رحل متجهًا إلى الكافيه حيث سيجد من يظنها ضحيته الجديدة، ولكنه لا يعلم أن هلاكه سيكون زفافًا له على يدها!!
خرج تيام من المطعم الخاص به، يتمشى على الرمال التي يرتطم بها الموج، ويديه بجيب سرواله الأبيض. كان شاردًا، حزينًا، حتى استحوذت عينيه على مشهد اهتم بكل تفاصيله، لدرجة جعلت ساقيه تقودانه إليه.
طاولة منعزلة خاصة بالمطعم، تنزوى بركنٍ منعزل، وضع من فوقها العديد من أدوات الرسم، وبوجهته اللوحة التي سلبت عقله من شدة جمالها وإتقانها، كانت تجسيدا حيا لمنظر المياه والرمال والسماء، حتى ذلك الفنان المحترف الذي يوليه ظهره كان يلصق بأرضيتها القواقع والرمال بشكلٍ مبهر.
وقف خلفه يتأملها بانبهار، جعل لسانه يرضخ للنطق
_يا لك من فنان مبدع.
ارتسمت بسمة ثقة على وجهه، واستدار ببطءٍ صوب هدفه، يطالعه بعسليته الساحرة بخبث، وقد تحقق هدفه وأتى الطعم بالفريسة إلى محله، بالطبع من كان سيختار رحيم زيدان لمواجهة ذلك المخترع داهية الذكاء، سوى الجنرال!!!
صف نوح سيارته ومال لها يحذرها
_يا بنتي راجعي نفسك، كِنان مش بيحب حد يجيله هنا، حتى أنا!
أجابته رزان بقوة واصرار
_نوح قولتلك إنت بره الليلة، مش هقوله إنك اللي جبتني.
وكادت أن تهبط من السيارة، ولكنه أوقفها حينما سألها
_طيب قوليلي إنتِ جاية هنا ليه؟ وليه خلتيني أتصل بكِنان أشوفه في أي كافيه، روزي لو في حاجة في دماغك المجنونة دي صارحيني بيها بدل ما يعلق رأسي ورأسك على باب القصر.
سحبت كفها وقالت وهي تتخفى بقبعة ضخمة، ونظارة سوداء تخفي ملامحها
_قولتلك مش هجيب سيرتك يا نوح.
هبطت من السيارة تتسلل من الباب الخلفي، وهي تعقد العزم لقطع آخر خطوة قد تكون نهاية لقصة حبها، تريد أن تحصل على الخلاص، بداخلها إحساس قوي أنه قال ذلك ليُرغمها على الابتعاد عنه لحمايتها، تريد أن تنهي عذابها بشكل نهائي.
تعرضت لأذى كبير ولم يعد بقدرها التحمل، ولكن هنا سيكون الختام لقصة كلما حاولت أن تنهيها يرفض قلبها ذلك.
أزاحت رزان دموعها واستكملت طريقها للداخل، وقفت بالطابق الاول حيث يعج بالشباب والفتيات، يرقصون بشكلٍ فج، والكحول تملأ المكان برمته بشكلٍ جعلها تكاد أن تتقيأ، ومع ذلك استكملت طريقها للبحث عنه وبداخلها أمل قوي أنه كاذب!
سند رقبته للمقعد بارهاقٍ، وهو يتابعها على الشاشات من أمامه، تنهد بوجعٍ وهو يهمس
_عنيدة ومصرة إني أوجعك عشان تبعدي عني!
عانق أصابع كفيه بعضهما، وسندهما على مقدمة أنفه. ثم ترقب انضمام من طلبه، حتى ولج يهتف
_تحت أمرك يا باشا.
قال و مازال محني الرأس
_رزان عايزها توصلي في الاوضة اللي جنب المكتب، وبدون ما حد يتعرضلها سواء وهي طالعه أو وهي نازلة.
أومأ حيدر له في طاعة
_حالًا يا باشا.
تنهد وهو يعود ليتطلع لملامح وجهها من جديد، تلك الحمقاء لن يستطيع إقناعها إلا أن ترى ما تخشاه قبالة عينيها.
نهض يتجه للغرفة المجاورة لمكتبه، حيث أعد العدة ليقنعها بما أتت تبحث عنه!
ارتعبت رزان حينما رأت حيدر أمامها بجسده المرعب، يسد طريقها وهو يسألها بمكر زرعه فيه سيده
_أنسة رزان حضرتك بتعملي إيه هنا؟؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وإدعت قوتها
_مالكش دعوة.
وكادت أن تتخطاه، فعاد يضع ذراعه يمنعها من استكمال الطريق
_أنا حابب أساعدك، انتِ شايفة المناظر حواليكِ عاملة ازاي؟ أخاف حد فيهم يضايقك!
خطفت نظرة لمن حولها، وقد تضاعف خوفها لصدق ما قال، فعادت تطالعه وهي تتساءل
_كِنان فين؟
أشار لها أن تتبعه، فولج من باب جانبي درجا صغيرا معدنيا، اتبعته حتى وقف أمام غرفة يشير لها بهدوء عليها، ازدردت ريقها بصعوبة، واتجهت تفتح بابها، تمضي خطوات كالطفل الذي يتعلم كيف يخطو أولى خطواته البطيئة.
فاذا بها تتطلع صوب الفراش الذي لعن كل ذرة حب حملتها بقلبها لهذا الخائن، الذي نجح بأن يوصل لها صورة كاملة تبني عليها فراقا وهجرا أبديا، ومع ذلك طالعها بنظرات قوية، غير نادمة.
تهاوى الدموع من عينيها وهي تتطلع إليه، وفجأة ارتسمت ابتسامة صغيرة بلهاء، وهي تردد بصعوبة
_الظاهر إن أنا الوحيدة اللي من لحم ودم جوه العيلة دي.
وتابعت بينما تتطلع إليه بقوة
_إنت كدبت لما قولتلي إنك أبشع من هارون، إنت مالكش شبيه في القذارة يا كِنان.
وسحبت بصرها أرضًا، بينما تستدير لتغادر بخطوات غير واعية، تهمس بعدم اتزان
_أنا حبيتك!!! حبيتك بجد!!
اعتدل بجلسته وهو يميل للارض، يحبس تلك الدموع الحبيسة، بينما تغادر هي الغرفة وهي تهذي بكلماتٍ غير مرتبة، تتطلع أرضًا وتتحرك ببطء.
استدار كنان تجاه تلك الفتاة التي طالبها بفعل أغرب ما طلب منها يومًا، وبغضب جحيمي قال
_إغربي عن وجهي الآن..
ظهر من أمامه بينما يتمرن على النصف السفلي الالكتروني، ليستقيم بجسده الذي بات قعيدًا لفترة، فاذا به يفتح رماديته وهو يتحكم بقبضته على استقامة الآلي، وفجأة ظهر ماتيو من أمامه، يقول
_لدي ما أريك إياه سيدي.
سمح له عثمان باشارة يده، فاذا ببطن الريبوت يظهر كهيئة شاشة عرض، يعرض له لقطة لأول من قام بمعارضة أوامره للمرة الأولى، ومنذ الوهلة الأولى.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مخيفة، وهو يراها تتنقل بين حديقة القصر بحرية، غير مبالية بأوامره التي أصدرها بالصباح، فاذا به يردد بخبث مرعب
_الظاهر إنك مقدمة روحك قربان يا دكتورة، وأنا قابل!!
مر يتجه إلى مكتبه، ومن خلفه حارسان يتبعانه، فاذا به يمر من الطرقة التي تحوي عددا لا بأس به من الفتيات اللاتي أتين ليقدمن بالوظائف الشاغرة.
كعادته تمعن بهن بوقاحة، وأغلبهن يتعمدن أن يبدين زينتهن من أمامه، وكأن قذارته باتت معروفة عنه للجميع.
التمعت عينيه بابتسامة شهوانية، تبددت حينما سقطت عينيه على تلك الجامحة، التي لم ترفع عينيها صوبه قط، كانت تجلس بثبات وقوة لم يرَها في امرأة يومًا، بل وتعمدت أن ترفع زُرقتها الفاتنة بنظرة محقرة إليه، ثم عادت ببصرها للبعيد كأنه هفوة غبار مُلوثة تمر من أمامه، امرأة اجتمع فيها جمال النساء بأكملهن من وجهة نظره، وبالرغم من أنها لم تكن مرته الاولى التي يرى فيها امرأة جميلة ولكن بتلك القوة والنظرة الغامضة لم يرَ!
ثمة شيءٌ بعينيها يموج بحدة وكبرياء، حتى رنا هو إليها، فوقف قبالتها يهتف باعجاب
_ما اسمك يا فتاة؟
تجاهلته مرين وهي تحدجه بنظرة شرسة، فرمش غاضبًا من عنجهيتها وتجاهلها له، عاد يكرر بصوتٍ أكثر حدة
_أَ صماء أنتِ؟
رفعت رأسها الشامخ صوبه ومازالت تجلس بنفس هدوئها
_بلى ولكني لا أتعامل مع الوُضعاء أمثالك!
واستطردت بنبرة قوية جعلت من حولها يترقبن رد فعل هارون برعب
_إن أردت أن تُحترم لا تكن وضيعًا.
وقالت وهي تتحداه بنظرة حادة
_ربما لو طرحت سؤالك باحترام لوجدتني أجيبك بالشيء ذاته، والآن سأغادر يبدو أنني لن أرتاح بالعمل هنا!!!!
وما أن استدارت لتغادر حتى صاح بعنفوان
_توقفي!!
خرج من الغرفة مهمومًا لما اضطر بفعله، فاذا بهاتفه يعيد بالرنين للمرة الثالثة برقم حيدر، تعجب لاصراره بالوصول إليه.
حرر كِنان زر الاجابة، فاذا بالاخر يردد
_رزان هانم على السطوح وعايزة ترمي نفسها يا باشا، أنا مش قادر أسيطر عليها من فضلك اطلع بسرعة!
ما أن استمع لذلك حتى سقط الهاتف منه وهو يهرول للاعلى كالمجنون، يجزم أن قلبه توقف أكثر من أربع مرات، ومازال يعافر للوصول للطابق الاخير الذي تباعدت مسافته فجأة!!
وصل للطابق الاخير وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة، فوجد حيدر يكتفها، وهي تثور بين يديه وتحاول الصعود على المقعد الحديدي الذي بدا بأنها وضعته للتو، حتى تلقي بذاتها مثلما أخبره حيدر.
انخلع قلبه ورنا إليها بهلع، نادمًا أشد الندم من حالة الانهيار التي أصبحت عليها، ناداها
_رزان!!
هدأ تعصب حركتها، واستدارت صوبه تقابله بكره شديد، أشار كِنان إليه وهو يأمره
_سبها وإنزل إنت، أنا هنا هتعامل معاها.
إنصاع له حيدر وغادر يترك لهما المساحة، وقفت رزان تتأمله بكراهيةٍ شديدة، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما ساقيها تتراجعان للخلف.
انتهت الحياة بالنسبة إليها في تلك اللحظةٍ ، لقد تخلى عنها بتلك البساطة، ولم يبالِ
لها، هو أخبرها سابقًا بأنه يعشقها، يعشق التراب الذي تخطو من فوقه، أخبرها بأنها كل شيءٍ بالنسبة له والآن تراه يتخلف عن كل وعوده فجأة!
ازدادت معاناتها حد الهلاك، ولم تجد إلا الموت سبيلًا للخلاص ، استدارت تكمل طريقها ركضًا، حتى وصلت إلى المقعد، وقعت فوقه واستعدت للصعود على السور.
صرخ فيها كِنان بجنون
_أوعى تعملي كده! روز اسمعيني!!
لم تستمع إليه حتى حينما أفصح عما فعله ليبعدها عنه
_انتِ فاهمه غلط، أنا عملت كده عشان أبعدك عني، محصلش بينا حاجة، صدقيني!
لم تنصَع لندائه ولو ظل عمره بأكمله يطالبها بالانصياع إليه لن تستمع، صعدت على السور، تتطلع للأرض التي تبعد عنها لمسافة تفزع لها الابدان.
ارتعب وارتعش جسده حينما وجدها تقف على حافة الهلاك، تماسك بقوة وهو يترجاها
_رزان أنتِ عارفة إني بحبك، أنا عمري ما حبيت غيرك صدقيني، عشان خاطري ارجعي.
أنا اللي تعمدت أقولك كده الصبح عشان تيجي لحد هنا وتشوفي اللي شوفتيه، يمكن بعدها تكرهيني وتقبلي إنك تهربي من الجحيم اللي انتي فيه، صدقيني دي الحقيقة.
منحته نظرة ساخرة، قبل أن تردد بأنين
_إنت مش مضطر تمثل الحقارة دي عشان تبعدني عنك، انا هريحك مني وهرتاح أنا كمان منك ومن هارون ومنكم كلكم.
واسترسلت ببسمةٍ طعنت قلبه بكل ما امتلكت وهي تهتف بالايطالية
_امضي ولا تهتم، سبق وتحطم قلبي مرارًا قبل أن تفعل أنت.
أشار بيده وهو يترجاها
_خلينا نتكلم وأنا أوعدك إني هعملك اللي انتِ عايزاه كله، مستعد حالًا نطلع على المحامي ونتجوز، مش هفارقك أبدًا بس انزلي عشان خاطري يا روز!
طعنته بزورقة عينيها، تجابه عينيه الدامعتان بكل قوتها، ومن ثم أغلقتهما بقوة، قبل أن تفرد ذراعيها للهواء، وهمست له قبل أن يسقط جسدها عن البناية
_أحببتك بصدق جاك!
سقط جسدها وعينيها مغلقة باستسلامٍ، حتى أنها شعرت كأنها ورقة تحمل بين طيات تيار الهواء العتي، انتظرت أن يعانق جسدها وابل من الآلآم، ولكنها فجأة شعرت بيدٍ قوية تحملها، وجسدها بعدما كان يتفاوت بسرعة مرعبة بات ينخفض رويدًا رويدا.
فتحت عينيها على مهلٍ، فبرقت بصدمة جعلت البرودة تكتسحها، عينيه البنيتين قريبة منها، شعره معكوس على عينيه بفعل الهواء الذي لفح وجهه، والمرعب لها ما ظهر من خلفه، جناحان عملاقان يظهران من خلف ظهره، من اللون الابيض، بينما تتدرج بنيته بشكلٍ ملحوظ!
سحبت رزان كفها المسنود لصدره المكشوف، بينما تثور ساقيها بجنون وهي تهبط عن ذراعيه، تراجعت عنه للخلف بصدمة أسقطتها أرضًا بين تلك الاعشاب في تلك المنطقة المنعزلة التي نقلها إليها.
راقبته بفزع وعينيها جاحظة بدون تصديق، وحينما انخضعا الجناحان له وتخفيا داخله، اقترب منها فزحفت للخلف وهي تجاهد لخروج كلماتها المرتعشة
_من أنت بحق الجحيم؟
بوم
أشباح_المخابرات
الاقوى_قادم...
آيه_محمد_رفعت.
الفصل لو موصلش 3000لايك بعد المجهود ده هزعل واجبلكم ناس تزعل بس كده
قارئي الفضولي جمد قلبك عشان اللي جاي مش سهل أبدًا... الحفلة بدأت يا شباب
آشباح_المخابرات.....شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!
الفصل_السابع!
إهداء الفصل للقارئات الغاليات جني محمد، Gana Gogo، Roma، Nona Dawood، Farha Ali Elazazy، Romisaa Yahia، Jody Yahia، جاسمين أحمد
، Hala Al Omer lina Adel
، RoRo Mohammed
mena Aly، Eman Khled
Mareia Faeiz ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة
وقفت قبالته بقامة ثابتة، صلبة، نظرات قوية لم تتأثر بما قالته، ولم يظهر له أي خوفٍ لندائه الصارخ لها، كأنه يرى نموذجا نسائيا جديدا يشرد عن القطيع الذي إعتاد التعامل معه.
مد هارون كفه لأحد رجاله يشير له إشارة إخلاء المكان من حولهما، فإذا بالجميع ينصرفون من محيط مكتب السكرتارية، ومع ذلك مازالت تتطلع له بثباتٍ وعدم مبالاة بما يفعله!
خطف نظرة متفحصة للمكان من حولهما، وحينما تأكد بإنسحاب الجميع رنا يهتف
_ألا يجدر بكِ الخوف لما قولتيه في حقي!
ترنحت على شفتي مرين بسمة ساخرة، وقالت بالعربية
_وإيه اللي يخليني أخاف من شيء الكل معترف بيه.
تفاجأ بنبرتها العربية، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع، ويتساءل باسترابة
_ولما إنتِ عارفة إني وضيع جاية هنا ليه؟
بنفس الثبات والثقة قالت
_متعودتش أصدق اللي بيتقال من غير ما أشوف ده بعيني، ودلوقتي بعد ما شوفتك صدقت وإنسحبت بهدوء. خسر كل قوته أمامها، شعر أن عينيها الزرقاء بهما سحراً غامضًا، فاذا بذلك السليط ببتسم وهو يسايرها بالحديث الخبيث
_بس انتِ مشوفتيش مني حاجة وحشة عشان تظلميني الظلم ده!
تحققت غايتها بسرعة تفاجأت لها، لقد علمت مفتاح الدخول السريع لجحيم هذا الشيطان، ربعت مرين يديها أمام صدرها ونطقت بحدة
_معتقدش إنك من النوع اللي بيتظلم، بالعكس إنت من النوع التاني.
زوى حاجبيه وهو يتمعن بها بدهشةٍ واعجاب شديد
_إنتِ مين؟
اتسعت ابتسامتها فزادت من جمالها فتنة فوق فتنتها
_هتطلعلي بطاقة؟
هز رأسه بالنفي وقال ومازال يتأملها
_إنتِ مش بس ست جميلة وذكية، إنتِ جريئة بشكل مشفتوش في بنت قبل كده.
حلت عقدة ذراعيها وقالت بمكرٍ
_وضيف عليهم إني صريحة جدًا، عشان كده هقولك إني مش مرتاحالك ولا مرتاحه للمكان ده، فاعتبر نفسك بتشوفني للمرة الاخيرة، سلام.
قالتها واستدارت استعدادًا للمغادرة، بخطواتٍ واثقة من غايتها، فما أن استمر عدها للرقم ثلاثة داخلها حتى هرول من خلفها يوقفها
_استني، إنتِ جيتي عشان تشتغلي هنا، وأنا قبلتك، همشي كل البنات وهختارك.
وقفت أمام المصعد تستدعيه، هاتفه بازدراء
_وده راجع لأيه؟ إنت مشوفتش ال بتاعي ولا حتى اتطلعت على أوراقي.
والتفتت برأسها تمنحه نظرة حادة
_اختيارك الغاشم ده بيأكدلي بردو انك شمال!
فشل بالتعامل مع تلك الفتاة الجامحة، وهو الذي لم يفشل بالقضاء على غرور أي أنثى قابلها، ثمة شيئًا داخل صدره يخبره أنها مختلفة عمن قابلهن من قبل.
ذلك الشيطان لم يخسر معركة ضد تاء التأنيث يومًا، وتلك المعركة تحفزه بكل قوة على أن يخوضها!
حضر المصعد فأوقفها هارون حينما قال
_هديكِ المبلغ اللي تطلبيه.
استدارت إليه مرين بجسدها كله، ونطقت بخبث يجعلها تحقق علامات التفوق بالاختبارات التي اجتازتها من الجوكر والاسطورة
_أنا قولتلك إني صريحة، فخليني أقولك إنك عرفت فعلًا سكتي بس خد بالك أوعى تنخدع بجمالي ده، أنا مش زي أي بنت انت عرفتها قبل كده.
ردد بهيامٍ وهو يحاول استمالتها بكلماته
_فعلًا إنتِ مش زي أي بنت أنا عرفتها، إنتِ أجملهم، أنا أعرف ستات بعدد شعر رأسي، في اللي شدني جمالهم وفي اللي شدني ليهم حاجات تانية، لكن إنتِ غريبة، مش بس الجمال اللي لافت نظري ليكِ!
واستطرد وهو يرنو تجاهها
_عنيكِ فيها قوة وجاذبية آآ.
بتر كلماته حينما تراجعت للخلف وهي تردد ببسمة ماكرة
_قولتلك خد بالك، ورا الجمال ده في مقاتلة شرسة قادرة تقطع ايدك لو فكرت تستدرجني لأي سكة شمال.
واستطردت دون أن تترك له فرصة الحديث
_لو سكتنا شغل بس فأنا معاك.
ابتهجت معالمه فرحة من قبولها لعرض العمل، فإذا به يستعمل خبثه
_وده اللي أنا عايزه منك، شغل وبس، لو حابة تبدأي من النهاردة مفيش مشكلة.
ظن أنها ستطير فرحًا لما قال، ولكنه تفاجأ بها تدخل إلى المصعد وهي تردد دون مبالاة به
_جهز تفاصيل الشغل والمبلغ اللي هتحدده، وبكره أو بعده هعدي عليك أدرس الموضوع، لو عجبني عرضك هستلم الشغل في الوقت اللي هلاقيه مناسب ليا، سلام!!
جحظت عيني هارون صدمة مما يحدث، راقب باب المصعد وهو ينغلق بعجزٍ تام، جعل رأسه مشوشا عن أي تفكير، ولسانه ينطق بصدمة
_إيه البنت دي!!!!!
واصلت التجول حول القصر، وأذنيها تتلصص لذلك الروبوت اللعين، ابتسامة خبيثة جابت شفتيها، بينما تدعي انغماسها بتأمل الازهار والمسبح الضخم.
لقد استغنت عن مكرها وخبثها حينما قابلته، وتعاملت بسذاجة مصطنعة حتى تكشف عن جنسيته، ولكن ذلك الماكر تمكن من النجاة ومزاولة الحديث بالآخر، وها هي تستدرجه باليوم الأول لتثير غضبه وشكوكه حول أنها فتاة عادية مثل الكثير من الفتيات.
ربما تجد الصورة من الخارج ان الروبوت الذكي ينقل لسيده خطواتها، متلصصًا عليها، بينما بحقيقة الأمر هي من قامت بجذبهما لتلك النقطة!!
أخفت حدة ملامحها، وإدعت انشغالها التام بقطف إحدى الازهار، بينما تستدير وهي تبرق بعينيها بفزعٍ أجادت تصنعه
_بسم الله الرحمن الرحيم!
مالت على السور القريب منها وهي تتمتم بصوتٍ مسموع
_هو أنا كنت نقصاك يا أخي مش كفايا أجواء بيت الرعب اللي عايشة فيها دي!
تحرك الروبوت نحوها بآلية، ونطق
_سيدي يريد رؤيتك في الحال.
بالرغم من أنها تعلم بأنه يراها الآن صوتًا وصورة، الا أنها استكملت في بلاهة متعمدة
_سيدك ده مخيف وشكله كده خنيق!
ومالت تشم عبير الزهور باسترخاءٍ، ثم أشارت له بنفور
_اتفضل، خدني لسيدك الغريب ده.
سبق ماتيو خطواتها حتى توقف أمام أحد المصاعد الداخلية للقصر، يشير بيده أن تدخل قبله، شملته بنظرة ساخرة ورددت
_حتى الروبوتات عندهم وجع في المفاصل زينا!!
لحق بها ماتيو للداخل، حتى وصل بها للطابق العلوي، لاحظت قدس أنه يستخدم شفرة خاصة ليفتح باب الجناح دون اللجوء إلى عثمان، دخلت من خلفه وهي تسجل ببصرها كل تفصيلة صغيرة، حتى إنتهى بها الطريق بالوقوف أمام زوج الاعين الرمادية الغاضبة
استدارت قدس إلى مايتو وهمست بارتباكٍ
_ما به سيدك يبدو وكأنه سيبصق النيران من فمه؟
لف الروبوت رأسه إليها وقال
_سيدي عثمان غاضب لمخالفتك أوامره في يومك الأول هنا سيدتي.
لوت شفتيها بتهكمٍ، وتمتمت
_بتلفت نظره ليه!
أشار له عثمان بإصبعه فغادر على الفور، بينما يحرك مقعده صوبها، وصوته الرعدي يتهاوى
_واضح إنك مستغنية عن روحك يا دكتورة.
طالعته بقوةٍ ورددت دون أن يرف لها جفن
_أنا مبحبش الخنقة، ثم إني نفذت كلامك ومدخلتش القصر بدون إذنك، والأكيد يعني إني مش هفضل محبوسة جوه الملحق ده لحد ما جنابك تحن عليا وتبعتلي، أنا حرة مش سجينه هنا في زنزانة!!
رمقها بصمتٍ كان مخيفًا لها، خاصة أنها تفشل فشلًا ذريعًا في تكوين صورة حتى لو صغيرة عنه، على عكس مرين التي ما ان جمعت معلومات عن هارون ورأته حتى تمكنت من عرقلة ساقه.
السكون جعل صوت أنفاسها هو المسموع، بينما يطالعها الاخر بثباتٍ كالتمثال، حتى إستدار بالمقعد وهو يصدر أمره
_ هنبدأ العلاج من بكره، الصبح تكوني هنا!
زوت حاجبيها بدهشةٍ من حديثه، بينما تستمع له
_آيلا أغلقي الباب من خلفها.
تبدل لون عينيها الجذاب لحمرة غاضبة، لقد طردها بشكلٍ صريح، ذلك المغرور الذي يستفزها في المرة الثانية من رؤيتها له، تمنت لو أكتظمت سلاحها وأنهت حياته بنفسها، ولكنها تحاول أن تصبر ذاتها بأنها ستفعلها حتمًا ولكن ليس الآن.
شيعته بنظرة أخيرة، ورددت ساخرة
_خلي آيلا هانم مرتاحة، أنا هشد الباب ورايا!
قالتها وغادرت على الفور، بينما الديزل المزعوم مازال يتطلع للشرفة الزجاجية بنظرة جامدة، كأن تلك الفتاة لم يكن لها وجود منذ قليلٍ.
زحفت للخلف والرعب يكظم أجنحته من فوقها، بينما يتأملها بحزن وشفقة على حالة الهلع التي أصابتها، اقترب منها كِنان وهو يناديها برفقٍ
_روز.
لطمت ذراعيه تبعدهما عنها، ومازالت تواصل الزحف للخلف وهي تصرخ
_إبعد عني، إبعد!
إنحنى على ركبتيه قبالتها، وقال بصوته الرخيم
_روز لازم تهدي وتسمعيني.
هزت رأسها بالنفي وهي تحاول الاستناد على جذع الشجرة لتتمكن من النهوض
_مش عايزة أسمع حاجة، أنا همشي من هنا.
تمكنت من الوقوف أخيرًا، واستدارت تتفحص المكان الغريب من حولها برهبةٍ، جعلتها تمضي بأول جهة قابلتها، حتى تحظى بالفرار منه.
منعها من استكمال طريقها حينما أمسك معصمها باحكامٍ
_إنتِ رايحة فين؟؟
حاولت دفعه وجسدها يرتعش من فرط الخوف
_سبني، قولتلك إبعد عني.
زفر بغضب، وهو يحاول أن يخبرها بهدوءٍ
_هارون لو عرف إنك عرفتي الحقيقة هيقتلك.
سحبت كفها منه، وهي تقابله بنظرة غائمة، يتعمق فيها الألم
_وهي إيه الحقيقة، أنا مبقتش عارفة حاجة، أنا اقتنعت بكلامك، أنا عايزة أبعد عن القرف ده وأولهم إنت!
واستدارت قائلة بجمود رغم تساقط الدموع من عينيها
_أنا عايزة أرجع البيت، وحالًا!
خرج زين من غرفته حينما استمع لصوت قادم من المطبخ الخارجي، فوجد ابنة عمه تتحرك بعصبية تامة، وعلى ما يبدو بأنها تحقق فشلًا ذريعًا في صنع الطعام لها.
جذب احد المقاعد المقابلة للرخامة، وجلس يناديها بمشاكسة
_إيه الهيصة اللي إنت عاملها دي يا مروان؟
شملته بنظرةٍ حادة من طرف عينيها، ثم استكملت صنع ما تفعله وهي تتجاهل وجوده، مرر يده على شعره وقال بضيق
_كنت رخم بس إنتِ كنتِ أرخم، عمومًا متزعلش يا صاحبي.
جذبت مرين أحد الاطباق تضع فيه شرائح الدجاج الذي صنعته، واتجهت تجلس قبالته وهي تردد
_مزعلتش منك عشان عارفة إنك رخم.
تفحص الطبق الذي صنعته بملامح متقززة، وردد
_كريم طول عمرك يا أشطا.
لم يستطع كبت ما حجب على لسانه فأشار لها
_إنتِ متأكدة إنك هتأكلي الجريمة دي؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، فحك فمه وهو يهمس بشفقة
_عيني عليك وعلى بختك الأسود يا جارحي!
سألته وهي تجذب السكين والملعقة
_بتقول حاجة؟
نفى سريعًا
_لا أبدًا، كنت بسألك لقائك بالقذر ده كان ماشي ازاي؟
أجابته ببسمة غرور
_اعتبره في جيبي من دلوقتي، دخولي كان سريع بشكل متوقعتهوش.
تخلى عن مزحه وقال بجدية
_خدي بالك يا مرين، الشخص ده مش سهل، خدي كل حذرك
قالت وهي تستعد لتناول طعامها
_متقلقش.
وأضافت متسائلة
_تحب تأكل معايا؟
أشار باشمئزاز
_لا شكرًا، هستنى ياسين أرحم!
وأضاف حينما وجدها تطالعه بغضب
_الطبق شكله يفتح النفس بس أنا متقل في الغدا، اتفضلي إنتِ ألف هنا.
شرعت مرين بتناول طعامها، وما أن تناولت قطعة الدجاج حتى جذبت منديلًا ورقيًا تبصق فيه ما تناولت، بينما تتطلع صوب الدماء المنسدلة من الدجاج بتقززٍ، أرغم زين على الضحك وحينما وجدها تتطلع له بنظرات نارية قال
_بحمد ربنا إن قطعة الكوكيز بتاعتي طباخة محترفة وبالأخص في الرقاق اللي بعشقه.
وتابع وهو يرى الغضب يحتد في زُرقتها
_خلاص متزعليش،إنتِ كنتِ مشغولة في أعمال وطنية أكتر من المطبخ، يكفيكِ شرف إنك في الوقت اللي البنات بتفكر في ألوان صوابع الروج كنتِ بتفكري في نوعية الاسلحة والقنابل.
وسحب طبق الفاكهة يقدمه لها قائلًا
_داوي جوعك بالفاكهة حلوة ومفيدة.
واستطرد ساخرًا
_أنا بقول تفكك من حوار الارتباط من الجنيرال نهائي، الواد عليه حتة نفس في الطبيخ يتوب بتوع الدايت، وإنتِ يا قلب اخوكِ زيزو بتطبخي الفرخة بدمها!!
احتقنت ملامحها بعصبية، وبينما كانت تتطلع له، استمع كلاهما لصوت غلق الباب، وإذا بياسين يظهر من أمامهما، وهو يوزع نظراته بينهما بقلق
_بتتخانقوا تاني ولا إيه؟
رد عليه زين في حبور
_لا ده مراون ده حبيبي، كنا بنتاقش في أمر مهم يخص مستقبلكم.
تنهدت مرين بسخط، وتركت لهما المكان وصعدت للاعلى، بينما يرنو إليه ياسين وهو يتابعها باستغراب
_في إيه؟!
أشار بعينيه صوب الطبق وهو يسحب ثمرة من التفاح، يقضمها بتسلية
_حاول تنفد بجلدك والا هتكمل هتاكل من ايد الطباخين العمر كله.
وأضاف وهو يسحب الحقيبة ويتجه للخروج
_أنا نصحتك وإنت براحتك يا جارحي.
وتركه وغادر، مال ياسين على الرخامة بتعب، يتفحص بقايا الطعام المدموس بالدماء بضحكة جذابة، بينما ينزع عنه جاكيته الاسود، أشمر عن ساعديه القوي جذب المريول يرتديه حوله، ثم شرع بصنع الطعام لها رغم أنه منهك والتعب يتمكن منه، ولكنه لم يأت من قلبه أن يتركها جائعة.
انتهى من صنع الطعام لها، حتى أنه صنع لها عصير التوت الطازح بمعكبات النعناع والليمون مثلما تعشقه هي، حبيبته لم ترث جمال أبيها وقوته فحسب، بل ورثت عنه حبه لنوعية محددة من الطعام ولذلك المشروب بالأخص المسمى بمشروب الجوكر، والذي تعمد أن يتعلمه من الجوكر دون أن ينتبه له، حتى يعده لها!
وقف أمام الغرفة يطرق بابها، فإذا بصوتها يتسلل له
_ادخل.
فتح الباب بترددٍ، ووقف محله يبحث عنها، فجحظت عسليته في صدمة مما رآه، غرفتها كانت تعج بها الفوضى بشكلٍ مزري، الملابس تملأ المكان بأكمله، بينما تجلس هي على أحد المقاعد ترتب خزانة سلاحها، رمش ياسين بعدم استيعاب، وهو الذي كان يعنف ذاته أنه يترك غرفته يومًا واحدًا دون تنظبف!
تعجبت من عدم ظهور زين أمامها، فرفعت رأسها تتفحصه، فإذا بها تفزع عن مقعدها وهي تهمس
_ياسين؟!
تحرر لسانه أخيرًا وقال من محله الخارجي
_إيه اللي إنتِ عملاه في الاوضة ده يا مرين؟!!!
حكت جبهتها حرجًا، وأخذت تلملم الملابس سريعًا وتزيحها جانبًا
_آآ... أنا يعني مكنش عندي وقت أرتبها، بس هحاول.
تغاضى عن أي مشاكسات قد تخرج منه خاصة حينما شعر بحرجها، فمال يضع صينية الطعام على الطاولة وقال مبتسمًا
_ولا يهمك، اتفضلي غداكِ جاهز.
لمحت عصيرها المفضل، فتلقفته بفرحةٍ وهي تستكشف طعمه، فاذا بها تغلق عينيها بتلذذٍ
_زي ما بابي بيعمله بالظبط!
ابتسم فرحة لسعادتها، وقال
_لمحته بيعمله كذه مرة.
وضعت الكوب وجذبت الملعقة تتناول الدجاج الذي صنعه، ثم قالت ببسمة رقيقة
_واضح فعلًا إنك بتطبخ كويس جدًا، إنت اتعلمت الطبخ امته وفين؟
استند على باب الغرفة الذي لم يتحرك عنه وقال
_إتعلمته من ست سنين تقريبًا وفين؟ في قصر آل الجارحي تحت اشراف جدتي بنفسها.
توقفت عن الطعام وتطلعت له بفضول، ونظرتها تحثه على التوضيح، فلبى رغبتها وقال
_جدي متعود على أكلها، مبقاش بيحب يأكل من إيد أي حد غيرها، فلما كنت بسافر معاه كنت بشوفه بيعاني وهو بيحاول يأكل من أكل بره لحد ما يرجع لأكلها، وأنا بصراحة كنت بحب أسافر معاه جدااا، فشغلت عقلي واتعلمت منها الطبخ، وبكده ضمنت إن ياسين الجارحي ميقدرش يتخلى عني أبدًا في كل سفرية شغل تجيله بره مصر، كان بيأخدني معاه عشان اطبخله بنفسي، وأنا قعدتي معاه أصلًا كانت مكسبي وفرحة مهما حاولت أوصفهالك مش هعرف.
رددت بتعجب من حديثه
_للدرجادي بتحبه؟
اتسعت بسمته وقال
_انا شوفت العالم ده كله بعيون ياسين الجارحي، اوقات كتير بستغرب عمق العلاقة اللي ما بينا، بس اللي أنا واثق فيه إنه عمل كل اللي يقدر عليه عشان أكون بالشخصية اللي أنا أكون راضي عنها.
وأضاف ومازال يقف محله
_يمكن ده راجع لانه كان أول شخص من عيلتي شلني وحسيت بحنانه، على حسب ما بيحكولي إن في شخص كان بينتقم من بابا ورماني في ملجأ تابع لياسين الجارحي، وهو متعود يقضي يوم هناك، وفي اليوم ده سمع عياطي وشالني، المفاجأة اني سكت ونمت بهدوء غريب.
لمس ما قاله قلبها، حتى أنها شعرت بوخزاته، لقد سبق لها سماع تلك القصة من أبيها عما حدث مع رفيقه عدي الجارحي، تلك الايام العصيبة التي قيل أنه فقد زوجته وابنه، ووجدهما بعد فترة من العذاب لهم أحياء!
اقتربت مرين منه، ونطقت ببسمة جذابة
_سبب تعلقك بيه هو حنانه عليك يا ياسين، وأكيد هو كمان محظوظ إنه عنده حفيد بيحبه ومستعد يعمل أي حاجة عشان يكون معاه.
تعانقت المُقل في لقاءٍ خاطف، جعله ينتفض في وقفته كمن لسعه عقرب، فتراجع عن محله وهو يمنحها بسمة صغيرة
_طيب هنزل أنا أرتاح شوية.
احترمت المساحة الذي يضعها دومًا بينهما، وقبل أن تغلق بابها نادته
_قائد.
توقف بمنتصف الدرج واستدار لها، فقالت على استحياء
_شكرًا على الاكل والعصير.
غمز لها بجاذبية خاطفة
_العفو عنيدة هانم.
واستكمل طريقه، بينما تعود هي لكوب العصير، ترتشفه بنهمٍ هامسة بعدم تصديق
_ازاي عمله بنفس الطعم!!
ضمت هاتفها بابتسامة سعادة تشتق من بين وابل الدموع المنسدلة، روحها الغائبة ترد لها في تلك الدقائق المعدودة التي تختطفها من صديقتها التي تعمل بالمطعم الخاص بتيام، وكل فترة تتحدث معها مكالمة فيديو، وتسلط الهاتف على محل جلوسه.
تدافقت الدموع على وجه رحيق وهي تلمس بأصابعها الشاشة، بينما كان يجلس هو على
طاولته المنعزلة بنهاية الفيديو، يرتشف قهوته بشرودٍ ولم يلاحظ ان النادلة التي تتصنع مسحها للبار تنقل صورة حية له لمن ختمها بميثاق حبه ذات يوم.
كبتترحيق شهقاتها وضمت الهاتف إلى صدرها وهي تهمس بخفوت
_وحشتني، وحشتني أوي يا تيام.
واستكملت وهي تعيد النظر له بينما تمسح دموعها
_حقك عليا، سامحني أرجوك.
وتابعت وهي تميل لحافة المسبح الخاص بغرفتها
_كان غصب عني والله.
مال تيام للمقعد وعينيه تجوب شاطئ البحر الذي يطل عليه المطعم خاصته، فتلقفته فجوة الماضي، ليرى في نفس البقعة التي ضمتهما سابقًا المشهد يُعاد من أمامه، رأى نفسه يقف قبالتها وهي يحاول أن يسيطر على ذاته بعدما استمعت لما قالته، ومع توتر أعصابه سيطر على ذاته بتمكنٍ ورنا صوبها يهاتفها بهدوءٍ مخادع
_رحيق أنا مش مصدق كل الكلام اللي قولتيه ده، أكيد في حاجة غلط، قصة إيه اللي انتهت، أنا وانتي اللي بينا مستحيل يكون ليه نهاية.
ابتعدت خطوتين للخلف، ووقفت تتطلع له بقوة لا تعلم كيف امتلكتها، ثم قالت
_الحب مش كل حاجة يا تيام، أنا حبيتك ووقفت بيك وإنت فرد من عيلة التميمي فجأة جاي النهاردة تقولي أنا سبت القصر وهبدأ لوحدي! لا معنديش استعداد أبدأ تاني بعد كل العذاب اللي عشته ده.
واستدارت وهي تجاهد لنطق ما ستقول
_أنا موافقة على عرض هارون، وهتجوزه.
صعق محله حتى كاد أن يسقط أرضًا، ولسانه الثقيل يردد بصدمة
_هارون!!
وفي لحظة كان يقطع المسافة بينهما، يجذبها لتقابله، وهو يهتف بوجع ووجهه يوضح ما يبذله ليتحدث
_رحيق حبيبتي هارون عايز ينتقم مني عشان سبت القصر والشغل، خليكِ صربحة معايا وقوليلي بيهددك بإيه وأنا هقفله، أنا أكتر حد عارف قذارته ووساخته، أكيد عمل كل ده عشان يوجعني فيكِ فأوعي تحققيله اللي هو عايزه.
سحبت كفها منه، وسيطرت على ضعفٍ كاد أن يوقعها أمامه
_بس أنا مشفتش منه حاجة وحشه، وبعدين هتوقع إيه منك يعني وأنا بقولك مش عايزاك وهتجوز غيرك، هتحب فيه مثلًا، طبيعي هتطلع فيه ألف عيب.
قبض قبضته بعنف، وعاد يجذبها بعصبية
_رحيق متحاوليش تشوهي الصورة اللي راسمها عنك، إنتِ عمرك ما كنتِ كده أبدًا.
وأضاف وهو يحذرها
_ هقولهالك للمرة الاخيرة لو هارون بيبتزك بحاجة قوليلي وسبيني أواجهه انا، لكن أوعي تضحي بنفسك وتدخلي جهنم برجليكِ، مهما خيالك صورلك عمرك ما هتوصلي لرينج الشر اللي ورا هارون.
عصرت جروحها بين ضلوعها ورددت
_حتى لو كان شيطان يكفيني العيشة اللي هعشها والمستوى اللي هكون فيه، إنت دمرت كل حاجه لما سبت الثروة والفلوس وقررت تبدأ من تاني بالمطعم ده، عايز تكافح من الأول وأنا خلاص تعبت ومش عايزة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني، لو هارون هيكون المنقذ ليا من الفقر والعيشة دي أنا جاهزة أتجوزه وحالًا لو يحب.
واضافت بتهكمٍ
_الحب مش هيملي دولابي بأفخم الماركات، ولا هيخليني أركب عربية آخر موديل، الحب مش شيء أساسي في حياتنا يا تيام، ومع ذلك بقولك متفقدش الأمل ودور على الانسانه اللي تحب تكافح معاك من الصفر لحد ما تقف على رجليك، لكن أنا تعبت ومش جاهزة أرجع أعيد نفس التجربة اللي عشتها مع أهلي مرة تانية.
قالتها وغادرت من أمامه دون أن تلتفت إليه، تركته في حالة مرعبة من الصدمة وعدم الاستيعاب، كأنه أصيب بخنجر في منتصف صدره، يحاول أن يستعيد قوته ليركض خلفها.
هرول خلفها بخطواتٍ غير متزنة، وحينما وصل خارج المطعم صعق حينما وجدها تصعد إلى سيارة هارون الذي كان بانتظارها، علم الآن بأنها إتخذت قرارها وأتت فقط لتخبره به.
أفاق تيام من ذكرياته المؤلمة وهو يزيح دمعة خائنة تهاوت بجانب جفنه، ثم استكمل ارتشاف قهوته ومازالت عينيه هائمة بمنظر الامواج المرتطمة بالشاطئ، بينما تتمعن فيه رحيق من خلف شاشة هاتف رفيقتها التي ثبتت الهاتف وتركته مفتوحًا، البسمة الرقيقة تزين ثغرها وهي تتأمله، وفجأة انتفضت بجلستها وهي تتأمل من يقترب من طاولته
حبست شهقة كادت أن تخرج منها، حينما رأته يجذب المقعد الذي يقابله ويجلس ببرود، جعلها تغلق الهاتف من شدة الرعب.
أفاق تيام على هارون اللعين الذي يزور مطعمه للمرة الاولى منذ الستة أشهر الذي ترك فيهم العمل.
ظهر فحيح الخبيث بكلماته التي تهاوت على شفتيه
_قولت أجيلك بنفسي عشان أديك الانذار الاخير!
............ يتبع......
الاقوى_قادم.
متنسونيش من دعواتكم الجميلة، والله إنها أيامًا ثقيلة، ولا يعلم ما بالقلب الا الله
________
آشباح_المخابرات.....شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!
الفصل_الثامن!
إهداء الفصل للقارئات الغاليات Rovan Abdo
Jody yahia، Ruqayyah Ramadan، Amal Tarek، Farha Ali Elazazy، Mems Abdo، Ahlam sayed، Romisaa yahia
ثقتي بالله تكفيني، فدوي الخمليشي
Nada Mahmoud، Basmala Naser ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة
أضرم النفور جسده وأوقظه لما أراد أن يتغاضى عنه طوال تلك الأشهر، ما أصعب أن يجبر على رؤية أكثر شخص عاش يكن له كل الكراهية والبغض، وإذ فجأة يراه أمام عينيه.
الشخص الذي تمنى أن يقتله ألف مرة يقف الآن قبالته، وبكل برود أتى ليهدده، ولحظه اللعين أنه يقف الآن وهلاك ماضيه كان يسبقه بخطوةٍ واحدة.
سحب تيام نفسًا طويلًا، بينما يرفع له رأسه بكبرياءٍ، يسدده بنظراتٍ قوية شامخة، والآخر يتوقع طبيعة اللقاء، وخاصة إنه لقاؤهما الأول بعد ما فعله بحقه، ولكن خابت ظنون هارون حينما وجده يشير بيده ببسمةٍ باردة
_يا أهلًا يا هارون، نورت.
وأضاف وعينيه تشير على المقعد المقابل له
_اتفضل.
تعجب من طريقته المتماسكة بالحديث، ومع ذلك جلس مبتسمًا، وهو يقول بشرٍ يفوح للآخر راحته
_كويس إنك عقلت، كده هنقدر نفهم بعض.
قبض على نواجذه وهو يتحكم بكراهيته الشديدة، ومع ذلك يمضي بثباته، وبصوته الساخر قال
_متقلقش من النقطة دي، أنا طول عمري فاهمك وفاهمك صح أوي.
وإستطرد وهو يشير بيده للنادل
_بما إنك أول مرة تشرفني، تحب تشرب إيه؟ ولا أطلبك غدا؟
احتدت نظراته، وأشار لمن يقف قبالته بالانصراف
_مش عايز حاجة، ويا ريت تبطل أسلوبك ده وتسمعني كويس أوي.
انتظر النادل أن يحصل على اشارة الانصراف من سيده، فأبعده تيام، ومال على الطاولة بنصفه العلوي متسائلًا بهدوء مخيف
_سامع، إرغي.
تغاضى عن طريقته، وقال بخبث متعمدًا إثارة غضبه
_أنا عايز أفهم إنت بتعاقبنا كلنا على إيه؟ لو على خطيبتك فهي اللي اختارت، أنا مأجبرتهاش تتجوزني ولا حتى إنها تكمل معايا!
ومال صوبه بنفس طريقة جلسته وهو يستكمل بمكرٍ يتعمد اهانته
_ذنبي إيه إنها فضلتني عليك؟
كان يقبض قبضته من أسفل الطاولة، يود لو أطاح بها فوق رأسه، ولكن المطعم يعج بالزبائن وبالطبع لن يخسر مصدر رزقه الوحيد ورزق شقيقته، تحكم في ذاته وردد بجمود
_إنت قاطع المسافة دي كلها عشان تقولي البوقين دول؟
إبتسم بشماتة، وقال
_لا طبعًا، أنا جاي أنبهك إن الديزل بنفسه حطك في دماغه، يعني دي فرصتك الاخيرة عشان تعقل وترجع معايا للقصر، ومنه طبعًا لشغلك، انت عارف انت مهم لعيلة التميمي إزاي؟
سحب كوب قهوته يرتشفه بالكامل، ومال للطاولة يهتف بصلابة
_أشكره بالنيابة عني عن الفرصة الاخيرة، وقوله إني مش محتاجها، سبق وقولتلك ان رجوعي للقذارة دي بموتي، فيا تقتلوني يا أقتل نفسي ولا إني أرجع لاختراع العقارات الفاسدة دي.
واسترسل وفتيل الندم والذنب يقتحم عينيه الجذابة
_أنا عشت أسوء سنين من عمري وأنا مُجبر أنفذ اللي بيتطلب مني فمستحيل هرجع للقرف ده تاني، بلغ اللي بعتك بده.
تجهمت معالمه شرارًا، ومع ذلك لجأ لآخر محاولة قد تجدي نفعًا معه
_طيب لو بعدك ده بسبب رحيق فأنا مستعد أطلقها وترجعلك تاني لو ده هيرجعك للشغل.
اتسعت ابتسامته سخرية، وفجأة تلاشت عنه وهو يهتف بخشونة مرعبة
_الكلبة اللي بقرف من سيرتها لما بتيجي قدامي صدفه عايزني أرجع ليها؟؟ أنت وهي أرخص عندي من تمن الجزمة اللي بشتريها تخيل!
وأضاف وهو يشير له بثبات يُدرس
_قوم يا هارون إمشي، ويا ريت متورنيش وشك تاني.
تأجج شيطانه الغادر، فمال يهمس له بوعيد
_خليك فاكر إني جيتلك بنفسي وطلبت منك ترجع بالذوق والأدب، تطاولك عليا وكلامك ده حسابه هيتدفع وغالي أوي يا تيام، أبواب الجحيم كانت مقفولة عنك طول الشهور دي على أمل انك تعقل وترجع من نفسك، ودلوقتي إنت فتحتها وعمرك ما هتعرف تقفلها تاني.
ونصب هارون جسده بينما يستكمل بعدوانية مخيفة
_ ده إنت سيد العارفين بشياطين آل التميمي وبالذات أنا!
ثم إستدار يغادر بخطوات واثقة مما سيفعله، بعدما قدم له الإنذار الاخير، إتجه لسيارات الحرس الخاص به، فتح له أحدهم باب السيارة الرئيسية، فاستدار يتمعن به بنظرةٍ مرعبة، وقولٍ واحد
_بكره تنفذ اللي قولتلك عليه، إنت والرجالة.
هز الرجل ذو الملامح الاجرامية وجهه، وقال متسائلًا
_البنت لوحدها؟
هز رأسه نافيًا، وقال
_نوح ييجي قبلها!!!
تسلق الكتلة الحجرية ببراعةٍ لطالما كان يتميز بها، لذا حق له أن يكون شبحًا مُتنقلًا، قفز من بقعة لأخرى حتى وصل لنهاية السفح الجبلي، بجسده الرياضي.
وقف بلثامه الأسود، الذي يحدد زيتونية عينيه الساحرة بشموخٍ، نزع زين عنه اللثام وفرد ذراعه بكبرياء يتقاسم فيه ذلك الطائر الجارح، الذي يحوم من فوقه، فاذا به ينصاع لأمره الصريح، وينخفض له تدريجيًا، حتى وقف على يده.
مرر زين يده على جسده بحركاتٍ مدروسة إكتسبها هو والجنرال أثناء فترة تدريبهما في بقعة ليل العربي، فإذا بعُقاب ينفش ريشه، فاستخرج منه زين الفلاشة التي دستها له قدس!
إبتسامة انتصار تجلت على وجهه الجذاب، واستمر بتمرير يده على عُقاب ليل العربي، وهو يهمس له بسخرية
_حتى صداقتنا كانت مُدبرة من رحيم زيدان!
واتسعت ابتسامته وهو يحرر عُقاب لأعناق السماء، بينما يهتف باعجابٍ صريح بحكمة أبيه
_أسطورة وبجدارة.
أعاد الوشاح على وجهه، واستدار ليهبط بنفس الخطوات التي صعد بها، تنهد بمللٍ لهبوطه كل تلك الخطوات، واذ فجأة يبتسم بمكرٍ، وبجرأة عاد بجسده للخلف، ومن ثم ركض بسرعةٍ، وقفز من أعلى سفح الجبل، وحينما كاد أن يصل جسده للأرض، قفز بجسده بحركاتٍ مُتقنة حتى وصل لفرع الشجرة التي بعدت بمسافة متوسطة عن الجبل، حتى استقر أرضًا بثباتٍ وثقة!!
لطالما كانت خطواته كخطى الشبح التي من المُحال أن يشعر بها أحدٌ، ولن يستطيع أحدٌ تحديد متى وأين يظهر ويختفي!!
إجتاز إختبارات شبه مستحيلة، أدهشت قادته في حين أن ياسين فشل بإجتياز أغلبها لضخامة جسده، بينما يتميز زين بوزنٍ أخف منه، بالرغم من احتفاظ جسده على الشكل العضلي الذي يمنحه المظهر الخطير لعدوه.
لكل منهما مميزات إضافية تجعلهما كمالة بعضهما البعض، حتى مرين وقدس كانتا كمالة لفريق الاشباح!
مضى زين بين الغابة المظلمة بثبات مخيف، وكأنه وحش متخف بين وصال الليل المقبض، وكلمات أبيه تخترق مسمعه فجأة.
أنا متولدتش في بوقي معلقة من دهب زي ما إنت متخيل يا زين، أنا كنت شاب عادي وبسيط، وكان حلمي زي أي شاب في سني، إني أقدر أفرش شقة أتجوز فيها حب طفولتي، وفجأة أحلامي كلها اتدمرت، وانا كمان اتدمرت معاها، قتلوني عشان كنت إنسان ضعيف، واتولد مكاني شيطان قادر يدمر كل شخص رفع عينه فيه ولو بالغلط!.
مراد شخص سوي نفسيًا أكتر مني، أنا معترف بده، عشان كده سيبته يشرف على تربيتك وإنت صغير، إنت شربت كل الحلو اللي فيه ودلوقتي عايزك تشرب مني اللي هيخليك سلطان منتصر في أي حرب إنت داخل فيها!
عايزك برة المهمات إبن الجوكر، وجواها إبني أنا، إرمي عواطفك ومشاعرك بره، عايزك زي الوحش المفترس اللي بيراقب خطوات فريسته وجاهز ينقض عليها في أي وقت، وأوعى تنسى إن أبوك أسطورة الجهاز المصري!
خرج من تقاطع الغابات وبداخله قوة يستمدها كلما يعود لذكريات حديث أبيه عن ماضيه، وعما أصبح عليه حاليًا، فعاد إلى المخبأ السري ليدرس ماذا تمكنت قدس من إحضاره!
قدمت لها كوب المياه وهي تحاول معرفة ما أصابها، لقد مضت عليها نصف ساعة وهي تحاول معرفة ما بها، كانت فقط تبكي وتنتفض باستمرار.
جلست رحيق جوارها بعدما منحتها المياه، وقالت بقلقٍ
_رزان قلقتيني عليكِ، إيه اللي حصل وخلاكي منهارة كده! هارون عملك حاجة تاني؟
هزت رأسها بالنفي ومازالت غارقة بالبكاء، فعادت رحيق تسألها
_طيب قوليلي مالك؟!
تركت رزان الكوب من يدها وإستدارت إليها، تحاول
متابعة القراءة