خـمس سـنين وهـم بقلم منــال عــلي
إيد هناء كانت لسه متبتة في أكرة الباب لما سمعت الجملة اللي هزت كيانها.
- "لازم تعرفي الحقيقة.."
قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إن صوته مسموع في ممر العمارة كله. دخلت والدة ياسين، الحاجة نادية، بخطوات تقيلة، عينيها حمرة ووشها باهت.. وش واحدة شايلة شيلة تقيلة بقالها سنين. بقلم منــال عــلي
ياسين كان لسه قاعد مكانه، باصص للأرض وساكت.. وفي اللحظة دي هناء فهمت. هو كان عارف!
- "حقيقة إيه؟" سألت هناء وصوتها طالع بالعافية رغم إنها حاولت تبان قوية. نادية خدت نفس طويل وقالت:
- "إنتي مكنش عندك عقم ولا حاجة يا بنتي."
الدنيا لفت بـ هناء.
- "يعني إيه؟"
- "التقرير الأولاني.. مكنش غلط بالكامل، بس كان فيه تلاعب.. أنا طلبت من الدكتور يبالغ في الحالة، وأنا اللي خبيت التفاصيل."
الصمت في الصالة بقا له صوت يوجع.
- "ليه؟" سألت هناء بجسم بارد زي التلج.
- "عشان كنت خايفة على ابني.." ردت نادية بدموع، "ياسين مر بوجع كبير زمان، خسر البنت اللي كان بيحبها، ومن وقتها وهو قفل قلبه وحلف ما يعمل بيت ولا يجيب عيال.. لما عرفت حكايتك، قولت يمكن ربنا جمعكم عشان تداووا بعض.. اتنين مش عايزين أو مش قادرين يخلفوا، هيعيشوا لبعض في هدوء."
هناء ضحكت ضحكة وجع، ضحكة فاضية: بقلم منــال عــلي
- "فرصة.. مبنية على كدبة؟ إنتي قررتي حياتي بالنيابة عني؟"
ياسين أخيراً رفع راسه وبص لها:
- "أنا عرفت بعد الجواز بفترة يا هناء." هناء بصت له بذهول: "وعرفت ومقولتش؟"
- "عشان لأول مرة أحس بالراحة.. معاكي مكنش فيه ضغط، ولا توقعات، ولا وجع.. خوفت لو عرفتي الحقيقة تسيبي البيت وتمشي."
الكلام نزل عليها زي الموج.. كانت عايزة تصرخ، تمشي، تسيب كل حاجة.. بس في حاجة وقفتها.
كل الاهتمام، الاحترام، الحنية اللي ياسين وراها لها.. مكنتش كدب. البداية بس هي اللي كانت غلط.
حطت إيدها على بطنها.. لسه مش مصدقة.
- "والعيال؟" رد ياسين بلهفة وقام وقف جنبها: "ولادي يا هناء.. أنا عمري ما كدبت في دي، أنا اللي كان عندي مشكلة واتعالجت منها ومقولتش لأمي عشان تسيبني في حالي.. ربنا أراد إن المعجزتين دول يحصلوا."
المواجهة الأخيرة.. والعوض
الشهور اللي بعد كدة كانت هادية.. هدوء "هدنة". ياسين كان بيراعيها بكل طاقته، بيحاول يكفر عن سكوته.
وفي يوم.. التليفون رن. رقم غريب.
- "هناء.. أنا وائل."
صوته كان مكسور، مجهد.
- "أنا غلطت يا هناء.. مراتي كدبت عليا، والولد مطلعش ابني.. أنا خسرت كل حاجة، وأمي تعبانة قوي وبتقول إن ده ذنبك."
هناء غمضت عينيها.. مكنش فيه شماتة، كان فيه "مسافة". وائل بقا غريب عنها لدرجة إن صوته مابقاش يأثر فيها.
- "وائل.. أنا حياتي بدأت يوم ما إنت خرجت منها. ربنا يسهلك." وقلبت الصفحة للأبد.
يوم الولادة.. كان ياسين ماسك إيدها، دموعه نازلة وهو شايف المعجزة بتتحقق قدامه.
- "أنا جنبك.. ومش هسيبك أبداً."
صوت صرختين ملوا الأوضة.. ولد وبنت. زي القمر.
هناء عيطت، وياسين عيط معاها.. وفي اللحظة دي، كل الوجع اللي فات داب.
بعد شهور.. وهي خارجة من المستشفى في متابعة عادية، شافت وائل وأمه. كانت ملامحهم باهتة، والحياة انطفت في عينيهم. بصوا للتوأم بحسرة.
ياسين قرب من هناء، وحط إيده على كتفها وباس راسها قدامهم:
- "يلا يا حبيبتي.. عيلتنا مستنيانا في البيت."
مشيوا وهما سايبين وراهم الماضي بكل قسوته.
هناء بصت للسما وابتسمت.. فهمت إن الوجع اللي كسر حياتها في الأول، هو نفسه اللي مهد الطريق لكل السعادة دي.
الحقيقة ممكن توجع.. بس لما بتيجي، بتداوي كل الجروح.
تمت.