ملك ابراهيم
البرق، وجري ناحيتها وهو وشه أصفر. أنتِ كويسة؟ يا آنسة، أرجوكي ردي عليا. حصلك حاجة؟ صوته كان كله قلق.
صافية رفعت راسها ببطء، فتحت عينيها اللي كانت مليانة دموع، وبصت لفريد. للحظة، فضلت عينيها متعلقة بيه، مش مصدقة إنها لسه عايشة. الشاب الأنيق اللي كان قاعد على سفرة الفطار، واللي هو ابن خالها، كان واقف قدامها.
أنا... أنا كويسة. قالتها بصوت مرتعش، وهي بتحاول تقوم.
فريد مد إيده بسرعة عشان يساعدها، ولمس إيدها بخفة. يا خبر أبيض! أنا آسف جدًا. مكنتش مركز أبدًا. أنتِ اتخضيتي، أنا متأكد. قومي بالراحة.
صافية قامت بصعوبة، وهدومها كانت عليها تراب خفيف. حصل خير.
فريد بصلها بتفحص، عيونه كانت بتدور على أي إصابة. ساعتها بس، انتبه لملامحها. عيونها الواسعة، وشها القمحاوي، بساطتها اللي خلتها مختلفة عن كل البنات اللي بيشوفهم كل يوم. وفي نفس الوقت، حس إن ملامحها دي مش غريبة عليه.
أنتِ... أنتِ مين؟ سألها فريد بذهول. كان حاسس إن في حاجة مش مظبوطة. البنت دي مش من الخدم اللي بيشوفهم. وشها كان فيه براءة وحياء مش معتاد عليهم.
صافية ارتبكت، وحست بالخوف تاني. أنا صافية. قالتها بصوت واطي، وهي مش عايزة تقول اسمها بالكامل عشان متعملش لنفسها مشاكل أكتر.
فريد حس بصدمة خفيفة. صافية؟ يبقى هي دي بنت خاله اللي مامته اتكلمت عنها، واللي كريم كان بيتهامس عليها الصبح!
صافية... أنتِ صافية بنت خالي؟ قالها وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.
صافية هزت راسها بالإيجاب، وبصت للأرض تاني.
النظرة اللي كانت في عيون فريد اتغيرت تمامًا. القلق اتحول لغضب خفي، بس المرة دي موجه لنفسه، ولامه، ولأخوه كريم. أنا آسف جدًا يا صافية. أنا بجد آسف. مكنتش أعرف إنك أنتِ.
أنا آسف جدًا يا صافية. أنا بجد آسف. مكنتش أعرف إنك أنتِ. قال فريد، ووشه كان باين عليه تأنيب الضمير. قومي أطمن عليكي الأول، وبعدين هوصلك الجامعة. أكيد اتأخرتي.
صافية كانت لسه مصدومة ومش مستوعبة. لا لا يا أستاذ فريد، مفيش داعي، أنا كويسة وهروح لوحدي. قالتها بسرعة، وقلبها كان بيدق خوفًا من مدام نيفين لو عرفت اللي حصل، أو لو شافت فريد بيوصلها. ده أكيد هتبقى كارثة.
فريد لاحظ الخوف في عينيها. الخوف ده كان مألوف عنده، كان بيشوفه في عيون ناس كتير بتتعامل مع أمه. اسمعي يا صافية، مفيش حاجة اسمها مفيش داعي. أنا اللي كنت أخبطك، ولازم أطمن عليكي وأوصلك بنفسي. ومش هستنى كلمة منك. وقرب منها خطوة.
شاف الارتباك والخوف في عيونها، مسك إيديها بحزم بس بحنية في نفس الوقت، وقبل ما تعترض، فتح باب عربيته وركبها غصب عنها. صافية مكانش قدامها حل غير إنها تركب وهي ساكتة، حاسة إنها دخلت في دوامة هتخلصها امتى وإزاي، الله أعلم.
طول الطريق، فريد كان بيحاول يلطف الجو. أنتِ في سنة كام في الجامعة؟ وأي كلية؟ سألها عشان يكسر حاجز الصمت اللي كان بينهم.
صافية ردت عليه بصوت خافت سنة أولى حقوق.
فريد بصلها بدهشة وفرحة في نفس الوقت. بجد؟ أنا كمان حقوق! بس أنا خلصت بقالي فترة. ده خبر حلو أوي. وبدأ يتكلم معاها عن الكلية والدراسة، وعن صعوبتها، وعن أحلامه لما كان في نفس سنها. كلامه كان بيطمنها شوية، وحسسها إنها بتتكلم مع بني آدم عادي، مش مع ابن خالتها الكبير اللي المفروض تخاف منه.
وصلوا قدام بوابة الجامعة. فريد وقف العربية، وبصلها بابتسامة حنينة. صافية، من النهاردة أنا اللي هوصلك الجامعة كل يوم. ومتقوليش لا، أنا مش بقبل النقاش في الموضوع ده.
حكاية صافية بنت الريف حكايات ملك إبراهيم
صافية اتخضت تاني. لا يا أستاذ فريد، مينفعش! مدام نيفين... أقصد مرات خالي، مش هينفع تعرف. هتضايق أوي.
فريد فهم قصدها. فهم ليه خايفة، وليه مش عايزاه يوصلها. ابتسامته اختفت، وعيونه بقى فيها حزن خفي. متخافيش يا صافية. أنا هوصلك، ومحدش هيعرف. أصلًا أنا بخرج بدري قبل ما البيت كله يصحى. وده مكنش حقيقي طبعًا، بس قالها عشان يطمنها. طيب ممكن طلب صغير بس؟ سألها فريد.
صافية كانت مستغربة طلبه، بس هزت راسها بالموافقة. أمرك.
ممكن متقوليش لماما نيفين... أقصد مدام نيفين، إنك بتوصلني؟ قالتها بتردد، وهي بتبصله برجاء. أنا... أنا خايفة إنها تزعل مني أو تتضايق.
فريد بصلها في عينيها. شاف الخوف الحقيقي، وشاف قد إيه البنت دي بريئة وضعيفة. حس بوجع في قلبه من اللي أمه ممكن تكون بتعمله فيها. هو مكانش يعرف كل حاجة بالتفصيل، بس كان فاهم إن أمه مكانتش مرحبة بوجود صافية أوي.
حاضر يا صافية. متخافيش. ده سر بيني وبينك. ومحدش هيعرف. بس المهم إنك متجيش الجامعة جري كده تاني. هتوصلك كل يوم، ماشي؟ قالها فريد بصوت حنين، وهو بيطمنها.
صافية ابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت بصوت بالكاد مسموع ماشي. ونزلت من العربية، وقلبها حاسس بمشاعر متلخبطة. خوف على راحة، على أمل جديد بدأ ينور في سماء القاهرة القاسية.
عدت أيام، وكل يوم كان بيعدي كان بيقرب صافية وفريد من بعض أكتر. فريد كان بيوصلها الجامعة، وفي الطريق كانوا بيتكلموا عن كل حاجة. عن أحلامها في الدراسة، وعن طموحاتها، وعن بلدها وأهلها. صافية كانت بتحس مع فريد بإحساس غريب بالراحة والأمان، كأنه الأخ الكبير اللي عمرها ما شافته. كانت بتنسى كل المتاعب اللي بتشوفها في الفيلا بمجرد ما تركب عربيته. فريد كمان كان بيحس إن صافية دي مختلفة عن أي بنت قابلها في حياته، بساطتها وطيبة قلبها كانت بتشده.
كريم، أخوه الصغير، كان بيلاحظ التقارب ده، وخصوصًا إن فريد بقى بيخرج بدري كل يوم. حاول كذا مرة يتقرب من صافية في الفيلا. كان بيتعمد ينزل المطبخ أو يعدي من جنب أوضتها، ويحاول يكلمها ويضحك معاها، بس صافية كانت بتصده بكل أدب. كانت خايفة منه، عارفة إنه مستهتر، وكمان عشان سمعت كلامه عن إنها خدامة. كل مرة كان بيحاول يكلمها، كانت بتلاقي أي حجة وتهرب.
الصد ده مكانش بيعجب كريم أبدًا، وهو اللي متعود إن أي بنت ممكن يتمناها تكون تحت أمره. الغموض اللي حوالين صافية، وصدها ليه، خلاه يتجنن ويصمم إنه يعرف أكتر عنها.
وفي ليلة من الليالي، كريم عرف إن فريد وأمه مدام نيفين عندهم حفلة مهمة وهيرجعوا متأخر أوي، يمكن الفجر. دي كانت فرصته الذهبية. استنى لحد ما العربية بتاعة أمه وفريد خرجت من الفيلا، وتأكد إن البيت بقى فاضي تقريبًا، ومحدش صاحي غير الخدم اللي بيكونوا في أوضهم.
قلبه كان بيدق بسرعة، حماس وخباثة. اتسحب بهدوء تام، زي الحرامي، من أوضته وراح ناحية آخر الفيلا، اللي فيها أوضة الخدم. كان بيخطط إنه يروح أوضة صافية، ويكلمها بهدوء، ويشوف إيه حكايتها، وإيه سبب صدها ليه. كان متخيل إنه هيقدر يوقعها في شباكه بسهولة.
وصل عند باب أوضة الخدم، اللي كان مفتوح نص فتحة. دقة قلبه زادت. يا ترى صافية صاحية؟ يا ترى البنات التانيين نايمين؟ دفع الباب بهدوء أوي، وخطى أول خطوة لجوه.
كريم دفع الباب بهدوء أوي، وخطى أول خطوة لجوه. النور الخافت اللي كان داخل