الابـتسامة المسـمومة بقلم منــال عــلي
قبل كده.
ليلى حاولت تعيط وتصطنع الصدمة، وده خلى المنظر أسوأ بكتير. فضلت تمسح عينيها بالمناديل وتقول لهاني إنها كان غرضها تساعدني لأن أمهات اليومين دول ميعرفوش حاجة في أي حاجة. كانت بتبص لي وكأن المفروض أنا اللي أنقذها من نتيجة تهورها. هاني كان واقف في النص، محتار الحيرة المعتادة للرجالة اللي زيه.. بين الأم اللي ربته، وبين الزوجة اللي مستني منها تستحمل الوجع في سكات.
على الساعة اتنين بالليل، وهاني طالع يجيب قهوة، الممرضة ادتني علبة المكملات تاني وقالت لي بصوت واطي خلي دي معاكي.. ولو حد أجبرك تاخديها بعد ما قلتي لأ، فده موضوع ميتسكتش عليه.
الجملة دي رنت في ودني ورشقت في قلبي.
لما هاني رجع، سألته سؤال واحد كنت تعرف إيه اللي جوه العلبة دي؟
بص في الأرض بكسوف وقال لأ.
طب قريت اللي مكتوب عليها؟
مسكتش.. ومعلقش.
هزيت رأسي وقلت له بالظبط كده.
على الصبح، كانت أختي الكبيرة مي وصلت المستشفى. هاني أكيد كلمها وهو مرعوب، والمنارقة إن ده محصلش إلا لما بقيت متوصلة بالأجهزة، رغم إني بقالي أسابيع بتحايل عليه ياخد قلقي على محمل الجد.
مي بمجرد ما شافت وشي، والمحلول، والعلبة اللي على الترابيزة، وبصت ل ليلى اللي كانت واقفة جنب الشباك بقميصها الشيك وعاملة نفسها هي اللي بتعاني.. مي معلتش صوتها بس كلامها كان قاطع.
قالت إيمان مش هترجع البيت ده تاني.
ليلى شهقت كأن حد ضربها بالقلم إنتي مالكيش حق تقرري حاجة زي دي!بقلم منال علي
مي قربت منها وقالت بعد اللي حصل؟ ليا كل الحق، لحد ما إيمان تبقى قادرة تقرر لنفسها.
هاني بدأ يتكلم، غالباً عشان يهدي النفوس، بس أنا قاطعته.
قلت بوضوح لأ.. هي عندها حق. أنا مش راجعة.
وش ليلى اتقلب في ثانية. الدموع اختفت.. الرقة اختفت.. ولأول مرة هاني يشوف الوش اللي أنا كنت عايشة معاه طول الوقت.
ساعتها ليلى قالت أسوأ حاجة ممكن تتقال
لو مشيتي عشان الحكاية دي، متستنيش إن حد في العيلة دي يسامحك! بقلم منال علي
ضحكت غصب عني لما قالت الجملة دي.
مش عشان الموقف يضحك، لأ.. عشان الحقيقة بانت بمنتهى البجاحة. أنا قضيت شهور بحاول أكون مقبولة في البيت ده، بحاول أثبت إني مؤدبة، وصبورة، وبنت أصول، وبسمع الكلام.. وفي الآخر كل ده اتلخص في حاجة واحدة ليلى كانت شايفة إن المفروض أستحمل أي حاجة هي تقرر إنها صح ليا، وأسمي ده حب بقلم منال علي
بصيت لها وأنا ممدة على سرير المستشفى، وإيدي ساندة على أحزمة جهاز المتابعة اللي على بطني، وقلت لها مش أنا اللي محتاجة سماح من حد.
دي كانت أول جملة واضحة وصريحة أنطقها لنفسي من زمان.
بعد يومين، مي أختي أخدتني معاها على بيتها. مش بيت أم هاني.. لأ، بيتها هي. شقة بسيطة، فيها كلب صوته عالي، وأطباق مش لايقة على بعضها، وأوضة ضيوف ريحتها لافندر ومنظفات، مش ريحة توتر وخوف. حسيت بالأمان هناك أكتر من أي مكان دخلته من شهور. الدكتور كتب لي تعليمات صارمة راحة تامة، أدوية معينة بس، متابعة دقيقة، وممنوع ألمس أي حاجة مش متوافق عليها من العيادة. مي لزقت الورقة دي على التلاجة وكأنها دستور.
هاني جه في آخر الأسبوع ومعاه ورد واعتذارات بقلم منال علي
كان باين عليه التعب، ومخضوض بجد، وللحظة شفت فيه الراجل اللي اتجوزته.. اللي كان بيلف المحافظة نص الليل عشان يجيب لي الأكلة اللي نفسي فيها، اللي عيط في أول سونار. بس الحب بيبقى صعب نصدقه لما يختار السلبية بدل الحماية مرة ورا تانية.
قعد قدامي على ترابيزة المطبخ عند أختي وقال أمي مكنش قصدها تأذيكي.
بحلق لي وقلت له الكلمة دي مابقتش تأكل عيش خلاص.
مالقاش رد، لأن فعلاً مفيش رد. النية مهمة، بس الإهمال له تمن. والضغط له تمن. والتقليل من خوفي كل مرة له تمن. وفكرة إني قولت لأ ومع ذلك كان مفروض عليا آخد الحبوب دي.. هي دي اللي ليها التمن الأكبر بقلم منال علي
بعد أسبوع، الدكتور كتب كل حاجة في ملفي، ونصحني بوضوح إني مارجعش للبيئة دي تاني. مي شجعتني أتكلم مع محامي، مش عشان تهد بيتي، بس عشان الحمل بيبين قد إيه الست بتبقى مكشوفة لما كل اللي حواليها يستنوا منها السكوت. وفعلاً اتكلمت مع محامي، وفتحت حساب في البنك لوحدي، وبدأت آخد قرارات عمري ما تخيلت إني هضطر آخدها وأنا لسه مولدتش.
هاني طلب نروح لاستشاري علاقات زوجية. قال إنه أخيراً شاف أمه على حقيقتها. أنا مصدقاه، بس اتعلمت حاجة مهمة الراجل ممكن يشوف الحقيقة بوضوح بعد ما الخطر يعدي، بس ده مش معناه إنه هيكون الشخص اللي كنت محتاجاه وقت الأزمة.
بعد شهرين، ولدت بنت زي القمر سميتها نور بقلم منال علي
أول ما شلتها، عيطت لدرجة إن الممرضة ادتني مناديل مرتين. نور كانت صغننة، وصوتها عالي، وعصبية، وكاملة الأوصاف. هاني حضر الولادة لأني سمحت له، بس ليلى لأ. مشفتش نور في المستشفى، ولحد النهاردة مشالتهاش. ده مش عقاب.. دي حدود اتبنت على أساس اللي حصل.
أنا وهاني منفصلين دلوقتي. يمكن للأبد، ويمكن الحكاية دي انتهت فعلاً ليلة ما وقعت في المطبخ وشفت أمه بتبص عليا بدل ما تلحقني. لسه مش عارفة.. التعافي مش دايما بيخلص نهاية سعيدة ومقفولة. ساعات بيخلص بأوراق قانونية، وزيارات مراقبة، وروشتات دكاترة، ورحلة طويلة عشان ترجعي تثقي في إحساسك تاني.
اللي أنا عارفاه هو ده الناس دايما بيستنوا من الست إنها تصغر المشاكل وتهون الخطر طالما اللي بيأذيها قريب. بس الأهل مش كارت بلانش عشان يدوسوا على حدودك. والأمومة
علمتني إن الحماية أهم بكتير من الأدب الزيادة.
قولي لي بصراحة.. لو حد في بيتك فضل يزن إنه بيساعدك، وجسمك بيقول لك إن فيه حاجة غلط.. كنتِ هتاخدي وقت قد إيه عشان تصدقي نفسك وتكدبيهم؟