الابـتسامة المسـمومة بقلم منــال عــلي

لمحة نيوز

حماتي كانت كل يوم الصبح تحط في إيدي حبايتين لونهم باهت، وتبتسم بصفاء وتقولي خدي يا بنتي، دول عشان يثبتوا الحمل ويقووا الواد. كنت واثقة فيها لغاية الليلة اللي وقعت فيها في المطبخ، جسمي خبط في البلاط ومحستش بنفسي غير وأنا في المستشفى سامعة الدكتور بيسأل بحدة مين اللي كان بيديها المكملات دي؟
بقلم منال علي 
اسمي إيمان. كان عندي تسعة وعشرين سنة، وفي الشهر السابع من حملي. كنت عايشة في بيت مشحون، من النوع اللي فيه كل كلمة طيبة وراها ألف علامة استفهام. أنا وجوزي هاني اضطرينا ننقل نعيش في بيت والدته في ضواحي القاهرة عشان نوفر قرشين قبل ما المولود يشرف. كان المفروض إنه وضع مؤقت.. الكلمة دي كانت ملاحقاني في جوازي وحملي ودلوقتي في خوفي. مؤقت لحد ما نحوش، مؤقت لحد ما نخلص شقة الزوجية.. لحد ما تورم رجليَّ يهدى وأقدر أطلع السلم من غير ما أحس إنه عقاب. بس حماتي ليلى كانت من الستات اللي تحب كل حاجة تفضل تحت سيطرتها وميزان إيديها.
قدام الناس، حماتي ليلى كانت مثال للست الطيبة والبركة. تقعد تحكي لصحباتها في الجامع إنها طايرة من الفرحة عشان هتبقى جدة. كانت تطبطب على بطني قدام الناس في السوق وتقولي يا ست البنات. بس جوه البيت، حنيتها كان ليها سن مدبب. كانت بتنتقد قعدتي، وتريحي، وحتى توابل الأكل ومواعيد دكتورة النسا. ولما عرفنا إن اللي في بطني بنت، فضلت مبتسمة زيادة عن اللزوم وقالت يلا.. المرة الجاية تشدي حيلك وتجيبي لهاني الولد اللي يشيل اسمه بقلم منال علي 
حاولت أعدي. الحمل بيعلم الستات تبلع حاجات أصعب بكتير من لوعة النفس. بنبلع الكلمة، والضغط، والخوف، عشان بس الدنيا تمشي ونحافظ على سلامة البيبي.
لحد ما ليلى بدأت تجيب لي مكملات غذائية بقلم منال علي 
قالت لي إنها أعشاب طبيعية لتقوية الحمل، وصفتها لها واحدة صاحبتها بتقهم في الطب القديم أحسن من دكاترة اليومين دول اللي ميهمش غير الفلوس. قلت لها إني ماشية على فيتامينات الدكتورة، ضحكت وقالت لي دي زيادة خير يا بنتي، إنتي مش عايزة بنتك تنزل صحتها حديد؟ ولا إيه؟ وطبعاً هاني كالعادة قالي ماتكبريش الموضوع يا إيمان.. أمي غرضها شريف وعايزة تحس إن ليها دور.
وفعلاً، بدأت آخدها بقلم منال علي 
بعد تلات أيام، بدأ يجيلي دوار غريب. وبعد خمس أيام، جالي مغص في بطني كان بيخليني أقف مكاني وأسند على الحيطة من الوجع. حماتي قالت لي ده طبيعي مع التقل، وهاني قال لي الحمل ملوش أمان. كنت عايزة أصدقهم، لأن البديل كان فكرة بشعة مش قادرة حتى أتخيلها بقلم منال علي 
في الليلة السابعة، كنت واقفة بصب مية في المطبخ، وفجأة الدنيا لفت بيا لفة مرعبة. الكوباية اتدشدشت مية حتة، ووجع زي السكاكين ضرب في بطني. فاكرة إني صرخت باسم هاني بكل قوتي، ولمحت حماتي واقفة في ورورب الباب.. مكنتش مخضوضة ولا حتى متفاجئة، كانت واقفة بتبص عليا وبس.
في المستشفى، الدكتور كان ماسك علبة المكملات اللي هاني جابها معاه وهو بيجري بيا، وسألني الدكتورة بتاعتك كانت تعرف إنك بتاخدي ده؟
قلت له بصوت واطي لأ بقلم منال علي 
بص لي بأسف وقال المواد اللي هنا خطر جداً في شهور الحمل الأخيرة، وبالجرعات دي كانت ممكن تنهي كل حاجة.
ولما لفت وشي ناحية باب الأوضة، كانت حماتي واقفة هناك، بنفس الابتسامة الهادية، وكأنها بتجهز الكلام اللي هتقوله للناس عشان تقنعهم إنها كانت بس بتحاول تساعدني بقلم منال علي 
الأوضة سكتت فجأة، سكات المستشفيات المعروف اللي حتى فيه صوت الأجهزة بيحسسك إنها هديت عشان تسمع المصيبة اللي جاية.
هاني كان واقف جنب سريري وماسك علبة البلاستيك في إيده وكأنها اتقلبت تعبان. خطر؟ كررها وهو مش مستوعب.. يعني إيه خطر؟
الدكتور رد بصوت هادي ومسيطر يعني الحبوب دي فيها مواد ممنوع مراتك تلمسها من غير إشراف طبي، خصوصاً وهي في الشهور الأخيرة. يمكن مش هي السبب الوحيد في اللي حصل، بس الأكيد إنها ساهمت في الجفاف، ولخبطة ضغط الدم، والمغص اللي جالها النهاردة.
ساهمت في اللي حصل.
الكلمتين دول كانوا كفاية أوي.
ليلى حماتي خطت خطوة لقدام قبل ما أنا أنطق يا دكتور دي حاجات طبيعية شرياها من محل أعشاب كبير.. الستات طول عمرها بتستخدم الحاجات دي من قديم الأزل.
الدكتور بصلها النظرة اللي الدكاترة الشاطرين بيبصوها للناس اللي فاكرين إن الثقة في الكلام تغني عن العلم.. وقالها ببرود مش كل حاجة طبيعية تبقى آمنة.
دي كانت أول لحظة من أول الليل أحس فيها بحاجة أقوى من الخوف.. أحس بالراحة. راحة صغيرة وحادة إن فيه حد أخيراً نطق. حد له سلطة قطع الضباب اللي ليلى كانت عايشة فيه، وفرض الحقيقة في وسط الأوضة.
بصيت ل هاني وقلت له أنا قلت لك إني مش عايزة آخدهم.
فرك جبينه بضيق وقالي يا إيمان، مكنتش أعرف إن ممكن يحصل كل ده.
رديت عليه بصوت واطي ومكسور لأ.. إنت بس مهتمتش إنك تسأل.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي حاجة ليلى قالتها بقلم منال علي 
الساعات اللي بعدها، الممرضات فضلوا يراقبوا نبض البيبي، ويعلقوا لي محاليل، ويقيسوا الضغط كل شوية لدرجة إني فقدت الإحساس بالوقت. نبض البنت كان مستقر الحمد لله، بس الدكتور أصر إني أفضل تحت الملاحظة طول الليل، ومنعني تماماً من أي مكملات غير اللي هو كاتبها. وسألني سؤال واحد هل هتحسي بالأمان لو رجعتي تتعافي في نفس المكان اللي الحبوب دي اتصرفت لك فيه؟
الأمان.
أنا مكنتش سمحت لنفسي أفكر في الكلمة دي
 

تم نسخ الرابط